الرئيسية » مقالات وآراء » من هم الخوارج؟! جـ(2) والأخير
من هم الخوارج؟! جـ(2) والأخير

من هم الخوارج؟! جـ(2) والأخير

الكاتب: عماد الدين خيتي – عضو أمناء المجلس الإسلامي السوري

…ومما سبق يتّضح: أنَّ الوصف الجامع للخوارج هو “تكفير المسلمين بغير حق واستحلال دمائهم بذلك، والخروج عن جماعتهم، ولا يشترط له القول بتكفير مرتكب الكبيرة، أو وجود حاكم مسلم يخرجون عليه. وأنَّ الخوارج ليسوا على طريقة واحدةٍ في بقية المعتقدات؛ فمنهم من أنكر السنة النبوية، ومنهم من وافق المعتزلة، ومنهم من وافق الرافضة، وغير ذلك؛ فبعضهم أشر من بعض، وأكثر انحرافًا عن الحق من البعض الآخر.

ثالثاً: كثرة العبادة لا تعفي من الوصف بالخروج:

من أهم أسباب الانخداع بالخوارج وعدم التعرّف عليهم: الاغترار بما يظهر عليهم من التدين؛ مما يدعو للاغترار بهم، وعدم تصور اجتماع اجتهاد في العبادة مع انحراف في العقيدة وضلال.
ولخطورة هذا الاغترار فقد أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الصفة، وأكد عليها في العديد من الأحاديث؛ تحذيرًا وإعذارًا لأمته، ومن ذلك: فيما جاء في عبادة الخوارج:
1- قوله -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا الصحابة -رضي الله عنهم- وهم من هم في العبادة والالتزام بالدين والفضل: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) رواه البخاري ومسلم. قال ابن حجر في “فتح الباري”: “كان يقال لهم القُرَّاء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأوَّلون القرآن على غير المراد منه، ويستبدُّون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك”.

2- وقوله: (إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) رواه أحمد بسند صحيح.
3- وقوله: (لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ) رواه مسلم. وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم يحتقرون صلاتهم مع صلاتهم، فكيف بغير الصحابة؟!

4- ولما لقيهم عبد الله بن عباس قال: “فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثِفَنُ الْإِبِلِ [أي غليظة]، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّمَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ” رواه عبد الرزاق في المصنف.
كما أنَّ مجرد بذل النفس في المعارك، والقيام بالعمليات الفدائية (الاستشهادية)، ليس دليلاً على التَّدين أو صحة المنهج، فقد عُرف الخوارج طيلة تاريخهم بالجرأة والعنف في القتال، وقد استماتوا في معركة النهروان ضد جيش علي بن أبي طالب حتى لم ينجُ منهم إلا عشرة نفر! ثم كان لهم مع الدولة الأموية صولات وجولات، حتى سارت بشدتهم وقسوتهم في المعارك الركبان. قال ابن حجر في “فتح الباري”: “… مع ما عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت، ومن تأمل ما ذكر أهل الأخبار من أمورهم تحقق ذلك”.

ومما جاء في حسن كلام الخوارج وكثرة استدلالهم بالنصوص الشرعية:

1- قوله صلى الله عليه وسلم: (يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيؤونَ الْفِعْلَ) رواه أبو داود، وأحمد.
2- وقوله: (يَتَكَلَّمُونَ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لَا تُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) أخرجه أحمد والبزار.

قال النووي في “شرح مسلم”: “ليس حظُّهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم, وليس ذلك هو المطلوب, بل المطلوب: تعلقه، وتدبره بوقوعه في القلب”. وقال ابن تيمية في “الفتاوى”: “وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه”. ‏ولذلك قال فيهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ” ذكره البخاري تعليقاً. فحسن كلامهم وبلاغته، وقوته وجزالته، وكثرة استدلالهم بالنصوص الشرعية لا يدل على فهمهم لها، أو صحّة استدلالهم بها، فضلاً عن صحة منهجهم، أو سلامة معتقدهم.

وليست عبادتهم هي التي تغرُّ المسلمين فحسب، بل شعاراتهم وما ينادون به، من محاربة الطواغيت، أو إعلان الخلافة، أو المطالبة بتحكيم الشريعة، ونحو ذلك، فلا يدل على صحة التَّدين، أو سلامة المنهج من الانحراف، ولا على سلامة هذه المطالب، فقد كان الخوارج على مر التاريخ من أكثر الناس رفعًا لهذه الشعارات ومطالبة بها. كما سبق في حديث: (يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيؤونَ الْفِعْلَ)، وحديث: (يَتَكَلَّمُونَ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لَا تُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) رواه أحمد.
قال السندي في “حاشيته على سنن النسائي: “أي يتكلَّمون ببعض الأقوال التي هي من خِيار أقوال الناس في الظاهر، مثل: إن الحكم إلا لله، ونظائره، كدعائهم إلى كتاب الله”.
ثم كانت هذه سيرة الخوارج على مر التاريخ! فقد ذكر الطبري في “تاريخه”: “لقيت الخوارج بعضها بعضا، فاجتمعوا فِي منزل عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، فَحَمِدَ اللَّهَ عَبْد اللَّهِ بن وهب وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعد، فو الله مَا ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إِلَى حكم القرآن، أن تكون هَذِهِ الدُّنْيَا، الَّتِي الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار، آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، وإن من وضر فإنه من يمن ويضر فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فإن ثوابه يوم الْقِيَامَة رضوان اللَّه عَزَّ وَجَلَّ والخلود فِي جناته فاخرجوا بنا إخواننا من هَذِهِ القرية الظالم أهلها إِلَى بعض كور الجبال أو إِلَى بعض هَذِهِ المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة.فَقَالَ لَهُ حُرْقُوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدُّنْيَا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إِلَى المقام بِهَا، وَلا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ..” ثمّ تعاهدوا على حكم القرآن، وطلب الحق وإنكار الظلم، وجهاد الظالمين وعدم الركون إلى الدنيا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قاموا إلى قتال الصحابة رضي الله عنهم!!. 

وقد حفظ التاريخ الكثير من أشعارهم وخطبهم البليغة التي يظن القارئ غير العارف بها أنها من عيون أدب الجهاد!
ومن ذلك قول الشقي الخارجي “عمران بن حطان” مادحًا ابن ملجم –عليه ما يستحق- في قتلـه أمير المؤمنين علياً رضي اللـه عنه:

يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَا * * * إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا
إنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسَبُهُ * * * أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ الله مِيزَانا
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْ * * * لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغياً وَعُدْوَانا

وبهذا يتبيَّن أنَّ مجرد إعلان الأقوال الحسنة، والتغنّي بها، ورفع الشعارات، وإظهار الحرص على أمور الدين، لا يدل بالضرورة على صدق قائلها، أو صحة منهجه. ثمّ إذا كان هذا التَّدين لا ينهى عن الابتداع في الدين، واستحلال دماء المسلمين، وأموالهم، والغدر والكذب، وسوء الخُلق، فلا عبرة به، ولا يعني صحة المنهج، أو سلامة العقيدة، فقد يجتمع مع العبادة انحراف وبدعة، بل هذا ما عُرف به الخوارج طوال تاريخهم.   

رابعاً: هل يشترط للوصف بالخروج حمل السلاح؟ 

من خلال ما سبق يتّضح أن الوصف بالخروج عن منهج أهل السنة، والذي يستحق معتنقه أن يوصف بأنه من (الخوارج) لا يشترط له حمل السلاح، بل يكفي فيه الانحراف في العقيدة والغلو في التكفير، والخروج عن منهج أهل السنة. فمن المتّفق عليه بين أهل العلم أنَ من فرق الخوارج من لا يوجب الخروج على الحاكم أو حمل السلاح، كفرقة القَعدية، وهم فرقة تزين معتقدات الخوارج وأقوالهم، ولا تباشر أفعالهم. قال عنهم الزبيدي في “تاج العروس”: “قوم من الخوارج قعدوا عن نصرة علي كرم الله وجهه وعن مقاتلته… وهم يرون التحكيم حقا، غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس، والقعد: الذين لا ديوان لهم، وقيل: القعد: الذين لا يمضون إلى القتال، وعن ابن الأعرابي: القعد: الشراة الذين يحكمون ولا يحاربون”. وقال ابن حجر في “فتح الباري”: “والقعدية: قوم من الخوارج كانوا يقولون بقولهم، ولا يرون الخروج بل يزينون”. 

وقال في “تهذيب التهذيب”:  القَعَدُ: الخوارج، كانوا لا يُرون بالحرب، بل يُنكِرون على أمراء الجور حسب الطاقة، ويدعون إلى رأيهم، ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه”. ومع عدم حملهم للسلاح أو مباشرتهم للخروج على الحاكم أو المجتمع، فقد عدَّهم أهل العلم من الخوارج، بل جعلوهم من شرّهم وأخبثهم؛ لما يقومون به من نشر الفتنة والتلبيس على عامة الناس بتكفير المسلمين دون حق، وحرف معتقدهم، وشحن قلوبهم، وإثارتهم، والذي له أثر بالغ خاصة إذا خرج من رجل بليغ متكلم يخدع الناس بلسانه واستدلالاته، ويتلبس بالسنة، وينسب ما قاله للشرع، روى أبو داود في مسائل الإمام أحمد: عن عبد الله بن محمد أبو محمد الضعيف، أنه قال: “قَعَدُ الْخَوَارِجُ هُمْ أَخْبَثُ الْخَوَارِجِ”. فمن كفَّر المسلمين، واستباح بذلك دماءهم، وحثَّ على قتلهم، أو دعا إلى ذلك، أو أرشد إليه، فهو شريك في ذلك وإن لم يشارك فيها بيده. 

خامساً: هل يشترط للوصف بالخروج المخالفة في أغلب أو معظم أمور العقيدة؟ 

يستشكل بعض من يتناول مسألة الخوارج أن العديد ممن يوصف بالخروج يوافق أهل السنة في الكثير من العقائد، كمسائل حدِّ الإيمان، ومسائل القَدَر، والغيبيات، وأمور الآخرة، والأسماء والصفات، وغيرها، فكيف يحكم عليهم بالخروج مع ذلك؟ وهذا الاستشكال غير صحيح، ولا أصل له في الشرع. فالخوارج الأولون الذين خرجوا على الصحابة رضي الله عنهم لم يؤثر عنهم مخالفة في هذه الأصول العقدية سوى الغلو في التكفير، وكذلك كان كثير من الخوارج من بعدهم في عهد الدولة الأموية، وإنما وقع الافتراق بين الخوارج في بعض هذه الأصول أو جميعها في وقت لاحق، ولم يمنع ذلك من إطلاق وصف الخوارج ولا إجراء الأحكام عليهم. ولم يشترط أهل العلم لحصول الافتراق مخالفة أهل السنة في غالب الأصول، ولا جميعها، بل حصوله أحدها فحسب. 

قال الشاطبي في الاعتصام”: “المسألة الخامسة:
وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كُلِّي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، وإنما ينشأ التفرّق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية..”. وقال ابن تيمية في “الفتاوى”: “ومما ينبغي أيضًا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام: على درجات منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين؛ يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ. والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها: لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفّر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات؛ واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلافات. ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون”.ّ فالمخالفة في قاعدة كلية أو أصل من أصول الإسلام، هي خروج عن جماعة المسلمين، وبدعة الخوارج هي من المخالفات في أصل من أصول الدين، وقادة من قواعده العظام، بل إنَّ الافتراق في الدين يكون في الجزئيات إذا كثرت، وأصبحت منهجًا وسمتًا عامًا للفرد أو الجماعة، يجتمعون عليه، ويوالون عليه ويعادون، فيخرج صاحبها عن منهج أهل السنة والجماعة، ويدخله في فرق البدعة والضلالة.

قال الشاطبي في تكملة كلامه السابق: “ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة”.وقال ابن تيمية في “الفتاوى”: “من خالف الكتاب المستبين والسنّة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع”. والناظر لحال معظم الفرق التي وقعت في الخروج عن المنهج القويم يرى أنها وقعت في جزئيات صارت علمًا على الخروج عن الجماعة ومفارقتها، مما يجعلها في حكم البدعة والخروج عن منهج أهل السنة، وهذا ما يمكن حمل العديد من صفات الخوارج التي وردت بها النصوص الشرعية في غير الأصول والقواعد الكلية للدين، ومن ذلك: 

1- الغرور والتَّعالي والكبر والتعالي على عباد الله، والإعجاب بالنفس والعمل، ولذلك فإنَّ الخوارج يكثرون من التفاخر بما قدموه وما فعلوه، ويكثرون من تزكية منهجهم وأفعالهم.
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) رواه أحمد.
ويدفعهم غرورهم لادّعاء العلم، والتطاول على العلماء ورفضهم، ومواجهة الأحداث الجسام، بلا تجربة ولا رَوية, ولا رجوع لأهل الفقه والرأي.

2- اتخاذهم شعارًا يتميزون به عن سائر الناس: فقد كان للخوارج في كل عصر وزمان شعار يتميزون به يختلف من زمن لآخر، ومن مجموعةٍ لأخرى، وقد يكون هذا الشعار في الراية، أو لون اللباس، أو هيئته، أو غير ذلك. وقد كان شعارهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم حلقَ شعر رؤوسهم، كما أخبر عنهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: (سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ)  رواه البخاري.
قال ابن تيمية في “الفتاوى”: “وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية؛ لا أن هذا وصف لازم لهم”. 

وقال القرطبي في “المفهم”: “(سيماهم التحليق) أي: جعلوا ذلك علامةً لهم على رفضهم زينة الدّنيا، وشعارًا ليُعرفوا به”. فالتحليق مع أنه سمة الخوارج الأولين لكن المقصود به التميز عن الأمة، وهو نابعٌ من التفرُّد عن سواد الأمة، وهو من علامات الخروج عن الجماعة، وهو ما تتميز به العديد من جماعات الغلو المعاصرة في ملبسها، أو أسلوبها، أو طريقة معيشتها؛ رغبة عن الأمة وتميزًا عنها. وقد أدرك ذلك سلف الأمة فنهوا عن مخالفة عادات الناس وأعرافهم حتى في المباحات، وعدُّوه من الشُّهرة المنهي عنه، فقد نقل ابن أبي الدنيا في “التواضع والخمول”: “عن عدي بن الفضل قال: قال لي أيوب: احْذُ نَعْلَيْنِ على نحو حذو نعل رسول الله، قال: ففعلتُ، فلبسها أيامًا ثم تركها، فقلت له في ذلك، فقال: لم أر الناس يلبسونها”. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف عن الحصين، قَالَ: “كان زُبيد اليامي يلبس بُرْنُسًا، قال: فسمعت إبراهيم عَابَهُ عليه، قال: فقلت له: إن الناس كانوا يلبسونها، قال: أجل، ولكن قد فَنِيَ من كان يلبسها، فإن لبسها أحد اليوم شَهَرُوهُ، وأشاروا إليه بالأصابع”. لكن لا يُعدُّ الشخص من الخوارج إن وافق معتقدًا للخوارج أو قولاً باجتهادٍ أو خطأ، إن لم يكن ذلك مبنيًا على أصل بدعي، ولم يفارق به الجماعة، كما سبق في كلام ابن تيمية: “ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين؛ يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ. والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك” إلى آخر كلامه. لذا لا بد للحكم بالخروج من قول لأهل العلم، وليس ذلك لاجتهادات فردية.

سادساً: من يمثل الخوارج في العصر الحالي؟

وقع العديد من الجماعات والأفراد في المخالفات التي تقتضي الحكم عليهم بأنهم خوارج منحرفون عن المنهج النبوي، ولعل من أشد ما يواجهه المسلمون من هذه الجماعات اليوم جماعة تنظيم (الدولة)، ومن أهم المخالفات التي ارتكبوها حتى استحقّوا بها وصف عامة أهل العلم لهم بالخوارج ما يلي:

1- الحكم على بلاد المسلمين بأنها بلاد كفرٍ وردة، وإيجاب الهجرة منها إلى مناطق سيطرتهم ونفوذهم.
2- الحكم على سائر من خالفهم من الكتائب المجاهدة في العراق والشام بالكفر والرِّدة، ووصفهم بالصحوات، ورميهم بالخيانة والعمالة للكفار بالشُّبه، وبما ليس كفرًا أصلاً.
3- استحلالهم قتال من خالفهم في منهجهم، أو رفض الخضوع لدولتهم الموهومة، فأعملوا في المسلمين خطفًا، وغدرًا، وسجنًا، وقتلًا، وتعذيبًا، وأرسلوا مفخخاتهم لمقرّات المجاهدين، فقتلوا من رؤوس الثوار والمجاهدين، والدعاة، والإعلاميين، والنشطاء ما لم يستطع النظامان الطائفيان في العراق وسوريا فعله، وقاتلوا المسلمين بما لم يقاتلوا به الأعداء.

4- استحلال أخذ أموال المسلمين بحجة قتال الجماعات المنحرفة، ومصادرتها دون وجه حق، واحتكار موارد الدخل العامة من آبار نفط وصوامع غلال وغيرها، والتصرف فيها كتصرف الحاكم المتمكن.
5- الخروج عن جماعة المسلمين، وحصر الحق في منهجهم، والحكم على جميع من يخالفهم في الفكر أو المشروع بالعداء للدين، وآخر ذلك ادّعاؤهم “الخلافة”، وإيجاب بيعتهم على جميع المسلمين.
6- ليس فيهم علماء معروفون مشهود لهم عند المسلمين، كما قال ابن عباس لأسلافهم من الخوارج: “أتيتُكُم من عندِ صحَابَةِ النَّبيِّ، مِنَ المهاجِرينَ والأنصارِ… وفيهِم أُنزِلَ، ولَيسَ فيكُم منهُم أحَدٌ” أخرجه الحاكم في المستدرك.
وقد أثَّر غياب أهل العلم والحكمة على تصرفاتهم فوقعوا في السفاهة والطيش، وعدم النظر لمآلات الأمور وعواقبها، وما تجرّه على المسلمين من ويلات ودمار، بزعم الصدع بكلمة الحق أو التوكل على الله.
7- وجميع ذلك يدفعهم إلى الغرور والتَّعالي على المسلمين، فقد زعموا أنهم وحدهم المجاهدون في سبيل الله، والعارفون بسنن الله في الجهاد؛ لذا فإنهم يُكثرون من التفاخر بما قدموه وما فعلوه!!، وهذا الغرور هو الذي يدفعهم للتطاول على أهل العلم والحكمة، وعدم الأخذ بكلامهم، فيدَّعون العلم والفهم، ويواجهون الأحداث الجسام، بلا تجربة ولا رَوية، ويرفضون التحاكم لمحاكم مستقلة فيما شَجَرَ بينهم وبين الفصائل الأخرى.

ومن أقوالهم في ذلك: قول أبي عمر البغدادي في كلمته (حصاد السنين بدولة الموحدين):
“إننا حين أعلنا دولة الإسلام وأنها دولة هجرة وجهاد لم نكن نكذب على الله ولا على الناس ولم نكن نتكلم عن أضغاث أحلام لكنّا بفضل الله تعالى الأقدر على فهم سنة الله في هذا الجهاد” انتهى. وقال في كلمته (سيهزم الجمع ويولّون الدبر) مخاطبًا جنوده: “أمّا أنتم يا فرسان التوحيد .. ورهبان الليل .. وأسودَ الشرى … فأشهدُ أنكم أصدقُ الناسِ لهجة.. وأوفاهم عهداً.. وأكثرهم ثباتاً.. وأشدّهم في أمر الله. فلستُ أشكُّ يعلمُ الله، طرفةَ عين.. أنا نحنُ الجيش الذي يُسلِمُ الراية لعبد اللهِ المهديّ”. وقال العدناني مبررًا عدم استشارة بقية الفصائل في إعلان دولتهم في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): “ثم ما كان لنا أن نشاور مِن الفصائل مَن يخالفنا المنهج والمشروع”. وكلامهم وبياناتهم طافحة بما هو أشد من ذلك.

8- كما أن تنظيم (الدولة) قد ناصر النظام المعتدي ضد المجاهدين في القتال والحصار، باتفاق، أو اختراق، أو تنسيق، أو حتى مجرّد تبادل مصالح، وأظهروا الفرح بانكسار المجاهدين أمام النظام، واستيلائه على مقرّاتهم، حتى لم يعد بعيدًا ما يُظَنُّ من دخول أعداء الإسلام واستخبارات بعض الدول في صفوفهم، يضربون بهم المجاهدين ويحقّقون ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب المباشرة. فاجتمع في “تنظيم الدولة” من الشر ما لم يجتمع في غيرهم من الخوارج من قبل، من الخروج عن العقيدة الصحيحة وجماعة المسلمين, واستباحة دمائهم بالباطل، والامتناع من الانقياد للحق والمحاكم الشرعية، والكذب، والغدر، والخيانة، ونقض العهود، وممالأة أعداء الإسلام، فصاروا أخطر على المسلمين والمجاهدين من النظام النصيري الطائفي، وفاقوا الخوارج الأولين شرًا وسوءًا وانحرافًا. فيصدقُ على “تنظيم الدولة” أنّهم خوارج، بل من أشر ما عرف التاريخ من فرق الخوارج. وهذا ما حكم به عامّة أهل العلم في العصر الحالي لا يكاد يعرف لهم مخالف. نسأل الله أن يرد كيدهم، وشرورهم عن بلاد المسلمين، والحمد لله رب العالمين. 

رابط الجزء الأول من المقال: http://sy-sic.com/?p=1515

شارك

أضف تعليق

التعليقات