الرئيسية » مقالات وآراء » الخلافة… الشكل أم المضمون
الخلافة… الشكل أم المضمون

الخلافة… الشكل أم المضمون

الكاتب: الدكتور عبد الكريم بكار _ عضو أمناء المجلس الإسلامي السوري

رمزية المفهوم
ظلت الخلافةُ الراشدة على امتداد التاريخ الإسلامي محطَّ أنظار المسلمين ومهوى أفئدتهم، وذلك بسبب مكانة الخلفاء الراشدين في الإسلام وبسبب احتضان الخلافة لنبتة الملة الغضة في تلك المرحلة، ورعايتها حتى أصبحت دوحة باسقة.
وعبر التاريخ كان هناك من يستغل ذلك الاسم الرمزي الجميل (الخلافة) لتسويق نفسه وأفكاره وجماعته، فلا تكاد تمر حقبة من الزمان حتى يشهد المسلمون من يسمي نفسه خليفة، ويمارس سلطات الخليفة. وعلى امتداد الزمان والمكان كانت معاناة الإنسان في الفصل بين الشكل والمضمون، فتارة يركز على المضمون، ويُمل الشكل، وتارة يُفتن بالشكل، ويضيِّع المضمون، وفي كلتا الحالتين يكون هناك نوع من الخلل أو الإجحاف.
ولعلي أشير في سياق هذه المسألة إلى الأمور التالية:

جوهر الخلافة
لو نظرنا إلى أسباب تعلق المسلمين بـ (الخلافة) لوجدنا أنهم كانوا يحترمون المعاني والقيم التي تحلى بها الخلفاء الراشدون، ويحترمون المبادئ النظمية التي أرسوها وبنوا عليها، أكثر بكثير من طريقة إدارتهم لشؤون الرعية.
وعلى سبيل المثال: فإن عمر كان يتحرك في أنحاء المدينة في بعض الليالي ليطلع على ما خفي عنه من شؤون رعيته، إنه لم يكتفِ بإنفاق وقته في النهار لصالح المسلمين، وإنما اقتطع من وقت راحته ووقت أهله وقتاً إضافياً ليصل الليل بالنهار في القيام بما يعتقد أنه مطلوب منه.
متابعة شؤون الرعية والحرص على متابعة دقائق أحوالهم بشكل شخصي هو الجوهر والمضمون، وهذا يمكن أن يتم بأشكال مختلفة بحسب كل زمان، وفي زمان كزماننا قد يحتاج الرئيس أو وليّ الأمر في بلد كبير إلى جهاز مكوَّن من ألف رجل، تكون مهمته القيام بمثل ما قام به عمر وعلى نحو أكثر شمولاً ودقة، وتكون مهمته اقتطاع جزء من ليله لمتابعة أعمال ذلك الجهاز والتأكد من أنه يقوم بعمله على النحو الصحيح.
إن مرور الأيام والليالي ينال من الوسائل والأساليب والأشكال وكل القضايا الإجرائية بسبب عدم قدرتها على التلاؤم مع الظروف والمعطيات الجديدة، وبسبب ما يأتي به التقدم الحضاري من أساليب ووسائل وإجراءات أكفأ في الأداء وأسهل في الاستخدام، أما المبادئ والقيم الكبرى فهي راسخة رسوخ الجبال الراسيات، ولهذا فإنها تظل أجدر بالتعلق والخدمة.

الخلافة ووحدة المسلمين:
كانت الفرصة مواتية أيامَ الخلفاء الراشدين للاندياح في الأرض وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية عبر حركة الفتوحات التي استمرت مدة طويلة، وكان ذلك موضع اغتباط المسلمين لأن ذلك كان الطريق الأفضل، وأحياناً المتاح لإيصال رسالة الإسلام إلى العالم، ولهذا فقد تشكلت (إمبراطورية إسلامية) امتدت في بعض المراحل من حدود الصين حتى جبال البرانس شمال الأندلس، نعم إن ظروف العالم كانت تسمح بذلك، أما اليوم فإن هذا شبه مستحيل، فكل دولة هي بمثابة عمارة في شارع الكرة الأرضية وتمددها يمنة ويسرة غير ممكن، لأنه سيكون على حساب عمارة ملاصقة، أما التمدد باتجاه الأعلى فهو ممكن، ولكنه محكوم بقوانين الشارع الذي لا يسمح ساكنوه إلا بعدد محدود من الطوابق، هذا هو وضعنا الآن، وقد يتغير في يوم من الأيام.

كيف نحقق معاني الوحدة بين المسلمين والتي غرستها الخلافة الراشدة؟..
الممكن اليوم هو اتحاد فيدرالي أو سوق مشتركة، بالإضافة إلى عدد كبير من الاتحادات والمشروعات الناظمة للجهد والعمل الإسلامي.
إن في إمكان دول الخليج أن تعمق الأواصر بينها أكثر وأكثر، وفي إمكان بلاد الشام أن تنشئ مع بعضها ومع جيرانها من المسلمين كــ (تركيا) مثلاً الكثير من الروابط، كما أن في إمكان المسلمين في جنوب شرق آسيا وفي شمال أفريقيا وفي أوربا، وفي شبه القارة الهندية أن يفعلوا مثل ذلك، وهذا في الحقيقة من أشق الأمور، ويحتاج إنجازه إلى الإرادة السياسية والشعبية، كما يحتاج إلى الوقت والصبر والجهد.
إذن قد يفوت زمانُ شكلٍ من الأشكال المهمة والعظيمة، ولكن يبقى المضمون، وهو الوحدة والاتحاد والتضامن والتعاون على البرّ والتقوى بأفضل صورة ممكنة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

بين المبادئ والوسائل
روي عن الإمام مالك بن أنس –رحمه الله- أنه قال: ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” هذا القول حق وصواب، ولكن المراد به المبادئ والأسس، من مثل الإخلاص والصدق والورع والعلم بالدين والتضحية والتعاون على الخير…
أما الأساليب والوسائل، فهذه لا تظفر بحكم مسبق، وإنما تستمد أهميتها من قدرتها على تحقيق المقاصد التي يمكن أن توصل إليها.
وعلى سبيل المثال: فإن (البيعة) هي وسيلة للتعبير عن رضا الناس عمن يحكمهم، ولهذا فإنه قد تكون هي الوسيلة المناسبة للتعبير عن ذلك الرضا، وقد يكون (التصويت) هو الوسيلة المناسبة وقد يكون (التوافق) كما قد يحصل في البيئات الضيقة جدّاً. إذن الاحترام هو للمبادئ، وليس للوسائل.

الخلافة الراشدة
تجربة الخلافة الراشدة كانت تجربة عظيمة ومباركة، لكنها لم تكن تجربة مغلقة أو نهائية، فطريقة الحكم التي مارسها الخلفاء الراشدون لم تكن شيئاً يصلح لكل زمان ومكان، وإنما كانت عبارة عن اجتهاد من رجال، هم من خيار قادة هذه الأمة وعلمائها،
ومن الواضح أن كل واحد من الخلفاء الأربعة تم اختياره بطريقة معينة، لكن الجميع كانوا في نهاية المطاف يُختارون من قبل الأمة، أو من يتيسر اجتماعهم ومبايعتهم منها، وإن تنوع الإجراءات والأساليب التي اتبعوها يعطينا مؤشراً واضحاً هو:  أن على الحاكم المسلم أن يبحث دائماً عن أفضل الطرق التي تحقق مراضي الله –تعالى- وترعى مصالح الناس الذين اختاروا ذلك الحاكم.
حين تخبو جذوة الاجتهاد لدى أمة من الأمم، ويهيمن عليها الجمود، فإنها تنظر إلى محاولات السابقين من رجالاتها نظرة تقديس عوضاً عن البحث عن طرق جديدة تحقق عين المقاصد والمصالح التي سعى أسلافهم إلى تحقيقها، وهذا هو الذي حدث للمسلمين مع الأسف الشديد!.
اجتمع الصحابة بعد وفاة النبي ليختاروا إماماً لهم، ومن الواضح أنه لم يكن لديهم نص قاطع أو وصية واضحة لتحديد شخص معين، فما كان منهم إلا أن تشاوروا وتفاوضوا لاختيار الشخص الذي يجمع بين الأمانة والديانة والخلق وبين القوة والكفاءة كي يحافظوا على وحدتهم وقوتهم واجتماع شملهم، وهذه الأهداف نفسها هي التي سعوا إلى تحقيقها عند مبايعة باقي الخلفاء الراشدين، ولكن مع مراعاة الظروف التي كانت سائدة عند تنصيب كل خليفة.
السؤال هو: لو أن الخلافة الإسلامية امتدت خمسمائة سنة فكم طريقة سيكون لدى المسلمين في اختيار الخليفة والتعبير عن رضا المسلمين عنه؟.
احتمال أن يكون هناك اختيار على عدد من المراحل، كأن يقوم عامة الناس باختيار مجلس شورى، وهو يختار الخليفة، ويمكن أن يختاروا قادة الأقاليم، ويقوم أولئك القادة باختيار الخليفة، وربما رأى الناس توزيع سلطات الخليفة على عدد من المؤسسات _ كما هو الشأن اليوم _ فيكون لديهم انتخابات للخليفة، وانتخابات لأهل الحل والعقد أو مجلس الشورى، وانتخاب للمحكمة العليا، وانتخاب لمجلس حكماء الأمة وغير ذلك …

ضرورة توضيح المفاهيم والمصطلحات:
لو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن مسألة (الحكم) أو الإمامة والولاية كانت السبب الرئيس وراء كثير من الفتن والحروب التي ثارت بين المسلمين، وفي هذا يقول الشهرستاني: ” أعظم خلاف بين الأمة خلاف (الإمامة) إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان ” .
وإذا تأملنا في جوهر تلك الخلافات، فإننا سننتهي إلى أنها كانت بسبب انتهاك بعض المبادئ والقيم أو بسبب غموض بعض المفاهيم والمصطلحات أو ترتيب بعض الأولويات، ولم يكن ذلك بسبب الخلاف على وسيلة أو أسلوب أو إجراء، وهذا واضح من الخلاف بين علي وبين طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ، كما أنه واضح أيضاً في الخلاف بين علي ومن معه وبين معاوية ومن معه أيضاً، وواضح في أسباب انشقاق الخوارج عن جماعة المسلمين في مسألة التحكيم الشهيرة، وهذا يعني أن الناس يدركون على نحو جيد أن الأساليب والوسائل تظل موضع اجتهاد وتعاذر، أما المقاصد والمبادئ، فلا تحتمل التنازل والمساومة، ومن هنا فإن توضيح المفاهيم والمصطلحات يساعد كثيراً على مضي الأمور بسلاسة، ويقي من كثير من أسباب النزاع والاحتراب .

شارك

أضف تعليق

التعليقات