مدخَل لتقارب الرؤى حول الإعلام والإعلام الإسلاميِّ
ديسمبر 2, 2019
فقهُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ
ديسمبر 2, 2019

السنن الربانية

 

أ. د. أحمد معاذ حقي العلواني – أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الزهراء

إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وَفق سنن، وهذه السنن هي القوانين التي أودعها الله في هذا الكون، وأخضعه لها بما فيه من مخلوقات؛ لتكون تلك السنن حاكمة لكل صغيرة وكبيرة، وتتصف تلك السنن بمجموعة من الصفات التي تعطيها صفة القانون الرياضي الصارم، فهي من جهة لا تتبدل ولا تتحول، ومن جهة أخرى مطردة، تتكرر على الوتيرة نفسها كلما توفرت الشروط، وانتفت الموانع {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [سورة الأحزاب: آية 62].

وهذه السنن والقوانين هي وفق إرادة الله ومشيئته النافذة، ولذلك لا تختل، ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [سورة القمر: آية 49]، ويعلمنا القرآن الكريم أن للتقدم قوانينه وسننه، وأن التخلف والتأخر ليسا إلا ثمرة لغياب هذه السنن والقوانين، فليس التقدم أماني وأحلامًا للكسالى والقاعدين، حتى لو حسنت منهم النيات، وصحت لديهم المعتقدات النظرية، فحتى الإيمان الديني لا يكتمل إلا إذا جاء العمل ليجسد التصديق، وشواهد القرآن الكريم على هذه الحقيقة تتعدى اقتران الإيمان بالعمل في آياته الكريمة الكثيرة – وهو ملحظ له دلالته الكبرى – وإنما نرى هذه الشواهد في مثل قوله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [سورة النساء: آية 123] ([1]).

إن معرفة هذه السنن جزء من معرفة الدين، وهي معرفة ضرورية، ومن الواجبات الشرعية؛ لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ([2])، ثم إن اكتشافها وحسن التعامل معها ضروري لعملية الاستخلاف وعمارة الأرض التي كلفنا الله تعالى بها، والعصبة المؤمنة مأمورة باكتشافها وحسن التعامل معها، فهذا ذو القرنين الملك المؤمن يسر الله له أسباب التمكن والملك والسلطان، فسلك الطريق الذي يسره الله له([3]) {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [سورة الكهف: آية 84 و85].

سبيل المعرفة بالسنن الكونية

مما ينبغي التنبيه عليه أنه لا يوجد علم فلسفة التاريخ، وإنما هناك محاولات من الفلاسفة والمؤرخين والاجتماعيين لفهم أسباب قيام الحضارات واندثارها، وكلها محاولات لم تصل إلى حد وضع قواعد أو قوانين أو حتى خطوط عريضة واضحة تُعين أو تساعد على تعريفنا بالطريق الصحيح الذي ينبغي على البشر أن يسيروا فيه لبناء مجتمع يُوفّر أسباب السعادة للبشر، واختلاف المؤرخين والفلاسفة في ذلك هو دليل على عدم وضوح الرؤية، ورغم أن توينبي([4]) هو أكبر من حاول فلسفة التاريخ في عصرنا، لم يقل قط إنه فيلسوف تاريخ، وأحسن ما قيل فيه إنه شاعر([5]).

والسبب في عدم إدراك هذه السنن يعود بالدرجة الأولى إلى أن العقل البشري لا يمكن أن يستقل بهذه المعرفة ابتداء، فلا بُدَّ من فهم القرآن الكريم أولًا باعتباره الكتاب المقروء الذي أخبرنا خالق الكون عن هذه السنن فيه، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة ص: آية 29] فهو مصدر لبيانها، وثانيًا: لا بد من إعمال العقل في الكتاب المرئي – الكون – لاستنباط السنن، ولذلك يدعونا القرآن الكريم إلى النظر والتفكر في تضاعيف السماوات والأرض لاستنباط السنن، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: آية46]، ويأمرنا بالسير في الأرض والتدبر في الحضارات وتقلبها، والاستفادة من تجربتها، ولو كانت حضارة كافرة حتى لا نقع في أخطائها، {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [سورة آل عمران: آية 137]، {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة الروم: آية9]، فلا بد من العقل المستنير بنور الوحي أن يتبصر في تاريخ الأولين وسيرهم لاستنباط العبر والسنن الربانية([6])، بينما العقل المجرد البعيد عن نور الله تعالى يقع في أخطاء فادحة؛ لأنه يفسر الظواهر تفسيرًا سطحيًّا كما قال الحق عز وجل: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: آية7].

ومن جهة أخرى فإن الحياة البشرية تجري بمقتضى سنن أجراها الله في خلقه، ثبتها سبحانه وتعالى لتنظيم الحياة البشرية، وكثير منها تكون أطول مدى في تحققها من حياة الفرد القصيرة المحدودة، وخاصة ما يتعلق منها بالجماعات البشرية، ولما كانت السنن الإلهية طويلة المدى في تحققها وجب علينا ألا نستخرج النتائج خلال جيل أو جيلين؛ لأننا سنقع في أخطاء منهجية، لهذا وجهنا الله سبحانه وتعالى إلى تدبر التاريخ، واستخراج العبر منه؛ إذ التاريخ هو المجال الواقعي الذي تحققت فيه السنن الربانية من قبل، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة العنكبوت: آية٢٠].

فما لايدرك الإنسان تحققه في فرصة عمره المحدود يستطيع أن يراه متحققًا في التاريخ، ونحن مأمورون بتدبر هذه السنن واتباعها، وهي متصلة بالعقيدة كما هي متصلة بالعوالم الإنسانية؛ لأن الله هو الذي أجراها، وهو وحده يستطيع أن يخرقها، ومن هنا تختلف حتمية السنن الربانية عن الحتمية المادية، أو الحتمية التاريخية التي اصطبغها ماركس([7])، أو الحتمية النفسية التي اصطبغها فرويد([8])، أو الحتمية الاجتماعية التي اصطبغها دوركايم([9])، التي تلغي كلها إيجابية الإنسان إزاء الضغوط الواقعة عليه خارج كيانه، أو من داخل كيانه، وتجعله عبدًا ذليلًا للأوضاع المادية، وفرق كبير بين حتمية السنن الربانية – على هذه الصورة – المؤكدة لإنسانية الإنسان، وإيجابياته، والاعتراف بوعيه، وحريته، وإرادته، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس: آية 7-10 ]، وبين الحتميات الزائفة التي أتت بها الجاهلية المعاصرة.

نماذج من السنن الإلهية

لعلنا نشير إلى بعض هذه السنن التي ذكرها الحق في كتابه ليرتكز عليها العالم المؤمن حين ينظر في تضاعيف السماوات والأرض لاستنباط السنن الكونية، منها:

1- حيادية القوانين الربانية: من السنن العامة أن الله يعطي على الجهد في الدنيا للمؤمنين والكافرين سواء على قدر ما يبذلونه من الجهد بالطريقة الصحيحة قال تعالى {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [سورة الإسراء: آية20]، وهذا يعني أن التمكين في الدنيا ليس في ذاته مقياسًا للخيرية، وإلا لكان المغول – الذين هجموا على الشرق وأزالوا دولًا ودكُّوا حضارات – خير الناس، وإن كنا مأمورين بأن نبلغ التمكن فيها أيضًا، كما أن التمكين في الأرض والاستمرار في التمكين من لوازم الإيمان، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سورة الأنبياء: آية105]، وهذا يعني أيضًا أن الاستمرار في التمكن لا يمكن أن يحصل مع الكفر؛ لأنه لا يملك أدوات الاستمرارية، بل فيه بذرة الفناء والدمار.

2- سنن الله في الاختلاف: من القوانين والسنن سنن الاختلاف، ومن حاول أن يجعل الناس أمة واحدة فمرده إلى الفشل، قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [سورة هود: آية118]، فالله عز وجل يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة ودين واحد، قال قتادة: لجعلهم مسلمين كلهم، وقوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي ولا يزال الناس مختلفين، {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [سورة هود: آية١١٩]، قال بعض أهل التأويل: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على رأي هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتّى من بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ونحو ذلك([10]).

ومع ذلك نحن مأمورون بالدعوة قطعًا للعذر وإبراءً للذمة، {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [سورة الأعراف: آية164].

3- سنن الله في التداول: من السنن الربانية سنة التدافع، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [سورة البقرة: آية٢٥١]، وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [سورة الحج: آية٤٠].

ومن هنا فإن العلو في الأرض لا ينحصر في شعب دون شعب، ولا في قوم دون قوم، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: آية١٤٠]، إن المداولة توحي بالحركة الدائمة وبالتجدد وبالأمل، وتقرر أن الأيام ليست ملكًا لأحد، ومن ثم لا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم في القمة ستنـزل بهم حركة الأيام إلى الحضيض، ومن هم في القاع الآن ستصعد بهم الحركة نفسها إلى القمة، إن المداولة القرآنية تحمل كافة جوانب إيجابيتها التاريخية: حركة العالم المستمرة، وتمخّض الصراع الفعال، وديمومة الأمل البشري الذي يرفض الحزن والهوان([11])، ولقد آمن كثير من المؤرخين وفلاسفة الحضارة بظاهرة التعاقب الحضاري، حتى غدت عندهم حقيقة ثابتة لا مراء فيها، والحق أنها قاعدة يجب أن تكون متفقًا عليها، وهي سنة الله في خلقه، وهذا أمر ثابت منذ كان للحضارة وجود، وإلا لكانت الإنسانية عرفت حضارة واحدة، فظلت قائمة منذ الأزل إلى ما شاء الله، ثم عاشت الإنسانية في ظلام. فتعاقب الحضارات والأمم والتبدل بين القوة والضعف على مسرح التاريخ؛ شاهد على سنة الله في خلقه، وقد غدت فكرة دورات التاريخ وتداول الحضارة من أهم الأفكار والنظريات التي حظيت باهتمام فلاسفة الفكر الحضاري لدى الغرب ابتداءً من فلاسفة اليونان، ومرورًا بالفكر الكنسي وانتهاء بالعصر الحديث في أوربا، وإن اختلفت في تفسير أسباب سقوط الحضارات([12]).

4- شروط الاستخلاف في الأرض: إن السنن الخاصة بقيام الأمم وزوالها من أهم ما نقرؤه في القرآن الكريم في هذا الباب، وهي من أهم ما يحتاجه المجتمع المسلم اليوم، نظرا للأفكار والتصورات الخاطئة التي امتلأت بها عقول البعض.

من هذه السنن أن الاستخلاف في الأرض يكون بالإيمان والعمل الصالح، قال سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: آية 55]، والاستخلاف في الأرض غير مقصور على عهد الصحابة والخلفاء الراشدين، وإنما هو ثابت من الله تعالى، وسنة مطردة([13]).

وإنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بداية لسقوط حضاري، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [سورة المائدة: آية 78 – 79] لأنه حينئذٍ سيستشري الفساد في الأرض، ثم سرعان ما يزول الاستخلاف، قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الأنفال: آية٥٣]، لقد هلكت أمم وزالت دول بسبب انغماسهم في الترف والشهوات([14])، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [سورة الإسراء: آية16].

5- الكفر والمعاصي والذنوب سبب لهلاك الأمم: إذن فانتهاء الحضارات ما هي إلا نتيجة حتمية للكفر والذنوب، والفسق، والظلم، والمعاصي، هذه سنة الله في خلقه، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [سورة النحل: آية112 و113]، وقال: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة العنكبوت: آية40]، وقال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 52].

وإن نهاية الظلم وشيكة، وعاقبته وخيمة، فهو منذر بزوال العمران، وكما يقال: فدولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [سورة إبراهيم: آية13]، وعاقبة المكذبين وخيمة {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [سورة الأنعام: آية11]، والشرك عاقبته دمار وهلاك، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [سورة الروم: آية42]، والعاقبة للمتقين {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [سورة النور: آية٥٥].

إن الباطل لا يدوم؛ لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده ويؤازره، فإذا جاء الحق فلا يلبث أن يدفع الباطل، وتكون العاقبة للحق، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقً} [سورة الإسراء: آية81]، ومن المعروف أن الباطل لا يملك أدوات الاستمرار والتمكين في الأرض؛ باعتباره لا يملك الميزان والضابط الذي ينجيه من الانحراف والغرور والمعاصي، وكلها مهلكات، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [سورة الرعد: آية١٧]، “فالأخطاء المتراكمة هي السبب الحقيقي الذي يدمر الحضارة ويوقف دورانها، ويأذن لغيرها بالقيادة، حتى تموت الأمم وتسقط الحضارات من داخلها قبل أن يسقطها أعداؤها.. وقدرة الأعداء في التغلب إنما تكون فاعلة عندما تجد الاستعداد والضعف الذي يمكِّن لها، والأخطاء الذاتية المتراكمة التي تحصرها قبل أعدائها، {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة: آية81]، ومن سنن الله أن جعل الظلم الاجتماعي سببًا في دمار الاقتصاد، {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [سورة القلم: آية 17-20]“([15]).

6 – سنن الله في الترف والمترفين: من رحمته سبحانه وتعالى بالناس أنه لم يرد بسط الرزق لهم جميعًا؛ لأنه يفضي إلى المفسدة([16]) {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [سورة الشورى: آية27]، ولقد هلكت أمم وزالت دول بسبب انغماسها في الترف والشهوات {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [سورة الإسراء: آية16].

مقوِّمات بقاء الحضارة الإسلامية

الحضارات والأمم كالبشر، تمر بحالات من الضعف والقوة، بل إن بعض الحضارات تموت، وتبقى أثرًا بعد عين، وخبرًا يروى في بطون الكتب، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [سورة النمل: آية52]، والتداول بين الأمم من سنن الله الكونية {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: آية١٤٠]، ولكلٍ من نشأة الحضارة وانهيارها أو اندثارها سننها وأسبابها.

إن الأمة الإسلامية ليست بدعًا من الأمم في خضوعها لهذه الدورات الحضارية من ضعف ومن ثم نهوض واسترجاع للقوة ثم ضعف تعقبه قوة، ولكن مما امتازت به هذه الأمة عن كثير غيرها أنها لا تموت، وهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل فيها بذرة الديمومة والبقاء والإصلاح الذاتي من خلال عوامل كثيرة سأذكر أهمها.. منها:

1- تكفل الله سبحانه بحفظ كتاب هذه الأمة: وهذا دليل على بقائها {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية9]، إن هذا القرآن العظيم هو الذي يحفظ هذه الأمة، ولولاه لضاعت الأمة منذ آماد بعيدة، ولا أدلَّ على ذلك من أن هذه الأمة تتلاشى في آخر الزمان عندما يُرفع كتابُ الله، كما أشار إليه الحديث المروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَدْرسُ([17]) الإسلامُ كما يَدْرسُ وَشْيُ([18]) الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله([19]) عز وجلّ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آيةٌ، وتبقى طوائف من الناس: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها))، فقال له صِلَةُ: ما تُغْني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفةُ، ثم ردها عليه ثلاثًا، كُلّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفةُ، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صِلَةُ تُنجيهم من النار ثلاثًا))([20])، فالقرآن يوقظ فينا بواعث النهضة والعمل.

2- من طبيعة هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة: بشهادة الصادق المصدوق المؤيد بخبر السماء، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة))([21])، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: (عليكم بتقوى الله ولزوم جماعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى لن يجمع جماعة محمد على ضلالة)([22])، وهذه الميزة باقية في هذه الأمة لبقاء مصدر التشريع الكتاب والسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه: (تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ثم تلا هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [سورة طه: آية123]([23]).

3- استمرار طائفة أهل الحق فيها: ستظل طائفة من هذه الأمة على الحق، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، حتى يأتي أمر الله لا تأخذهم في الله لومة لائم، ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك))([24]).

4- عوامل التجديد باقية في هذه الأمة: وذلك برجال يرسلهم الله على رأس كل قرن ينتشلون الناس مما هم فيه من بعد أو ضياع، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد أمر دينها))([25]).

5- حفظُ هذه الأمة من الهلاك: الله سبحانه وتعالى لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا يمحو به دولة الإسلام، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم([26])، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [سورة النساء: آية141]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها – أو قال من بين أقطارها – حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا))([27])، قال الإمام النووي: (أي لا أهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع قحط فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام فلله الحمد والشكر على جميع نعمه)([28]).

والتاريخ يشهد أن هذه الأمة أصابتها نكسات ونكبات كبرى، منذ نشأتها وإلى اليوم، حتى ظن الظانون بها ظن السوء، وابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ولكن الأمة استطاعت أن تتغلب على عوامل الضعف من الداخل، وعوامل الغزو من الخارج، وأن تحول الهزائم المرة إلى انتصارات، وتصير إلى قوة بعد ضعف، وتتوحد الأمة بعد أن كانت شتاتًا وأشلاء ممزقة مبعثرة.

واليوم تجتاز الأمة مرحلة من أسوأ المراحل التي مرت بها، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة الغثائية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها)) فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينـزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت))([29])، وهذه كسابقتها ستمر بلا شك، وسيمكن الله لدينه مرة أخرى في الأرض تحقيقًا لوعده {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سورة الأنبياء: آية105]، والمطلوب منا في هذه الآونة أن نعرف حقيقة هذه الأزمة، ونبحث عن سبل الخروج منها.

إن الواجبات الملقاة على عاتقنا للخروج بالأمة الإسلامية من أزمتها الحالية كثيرة وجليلة، وإن أولها هو الجلوس أمام القرآن الكريم لنقرأه ونعيه كما أراد ربنا ونعمل به، فهو يرمي إلى بناء الإنسان والمجتمع والدولة وإعمار الأرض وبناء الحضارة.. وفيه بيان السنن الربانية، والقوانين الكونية عن قيام الحضارات وازدهارها وسيرها في طريق القوة والنضج، كما يحث المسلمين على التمسك بها لتكون قيادة العالم في أيديهم، ويبين لهم عوامل هلاك الحضارات واندثارها بعد القوة، ويهددهم بسوء العاقبة إن هم تساهلوا أو انحرفوا عن الجادة.

أنزل الله هذا القرآن الكريم لينشئ أمة راشدة يسلمها قيادة البشرية، لتنأى بنفسها وبالأمم عن التيه والضياع، “لقد جاء النص القرآني – ابتداءً – لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، وهذه الرعاية من الله ذي الجلال – وهو الغني عن العالمين – أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفًا من كل رواسب الجاهليات – قديمها وحديثها على السواء – مستمدًا من تعاليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئًا”([30])، ولعل من نافلة القول أن نذكر أن غياب التدبر القرآني والفقه القرآني هو السبب الكامن خلف الغياب الحضاري لهذه الأمة.

([1]) (هل الإسلام هو الحل لماذا وكيف) محمد عمارة: ص 39

([2]) راجع (السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية)، عبد الكريم زيدان: ص 16

([3]) راجع (تفسير القرآن العظيم) ابن كثير: ص 1170

([4]) أرنولد توينبي مؤرخ وفيلسوف إنكليزي معاصر، توفي سنة 1957م. راجع (مدخل إلى تاريخ الحضارة) شحادة الناطور وآخرون: ص 46

([5]) راجع (الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها) حسين مؤنس: ص 8-9

([6]) لتوضيح هذه المسألة أقول إن العلماء الغربيين الذين حاولوا البحث في بدايات الإنسان أمثال (توينبي) نظروا إليه على أنه كان أقرب ما يكون إلى حيوان لا يعلم شيئًا، وهذه النتائج التي توصل إليها تخمينات، وتعارض نصوص الوحي التي تخبرنا أن الإنسان كانت تشمله عناية الله ورحمته منذ أن خلقه، وهذا مبحث جليل والأدلة عليه كثيرة، ومنها لما قتل أحد ابني آدم أخاه علّمه ربه عن طريق الغراب كيف يواري أخاه، {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين} [ المائدة: 31] وعلى هذا المفهوم أنكر حسين مؤنس على ابن حزم قوله: إن هذه العلوم من ميراث علم النبوة، لاشك أن كثيرًا من العلوم أسس بنيانها الأنبياء ثم أضاف البشر على ذلك من خبراتهم، فنوح u أوحي إليه في كيفية صناعة السفينة، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، والدروع أول من صنعها داود u، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، ولا شك أن الناس بعد ذلك طوروا صناعة الدروع.

([7]) كارل ماركس (1818م – 1883 م) مفكر اقتصادي، ولد من عائلة يهودية تسكن ألمانيا، صاحب نظرية المادية التاريخية، وحاول تفسير أحداث التاريخ على أساس العوامل المادية وحدها، راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي:2 /407-418

([8]) فرويد (1856- 1939م) ولد من أسرة يهودية، وهو مؤسس التحليل النفسي، والفكرة الأساسية التي يقوم عليها مذهبه أن الغرض الأساسي من كل فعل يقوم به الإنسان هو تحصيل أكبر لذة، وجعل الألم أقل ما يمكن، ورأى أن السلوك الإنساني يتجه نحو السعادة بمعنى تحصيل أكبر لذة، أو إشباع الحاجات الحسية. راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي: 2 / 122- 123

([9]) دور كايم (1858- 1917م) فيلسوف اجتماعي ولد في فرنسا من أسرة يهودية، وتتلخص فلسفته في أن الواقعة الاجتماعية لا تفسر إلا بواقعة اجتماعية أخرى، وهذا يعني أنه لا يجوز رد الظواهر الاجتماعية إلى وقائع اقتصادية، وإلى أسباب أخرى جزئية. راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي: 1 / 480- 482

([10]) تفسير الطبري: 7 / 137

([11]) “التفسير الإسلامي للتاريخ” عماد الدين خليل: ص 259

([12]) راجع “سنن القرآن قيام الحضارات وسقوطها” محمد هيشور: ص133-136

([13]) راجع (التفسير الكبير) الفخر الرازي، 8/ 413، و(السنن الإلهية) عبد الكريم زيدان: ص 180

([14]) راجع (حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية) محمد قطب: ص 92-102

([15]) (حتى يتحقق الشهود الحضاري) عمر عبيد حسينة: ص 48

([16]) – (التفسير الكبير) الرازي:9/ 598

([17]) يدرس الإسلام: درس الشيء والرسم دروسًا عفا وهلك، ومن درس الثوب درسًا إذا صار عتيقًا. راجع (لسان العرب) ابن منظور، مادة (درس)، 2/ 375

([18]) وشي الثوب: وشي الثوب وشيًا، وشيةً: حسنه، ووشاه: نمنمه، ونقشه، وحسنه. (لسان العرب) ابن منظور، مادة (وشي)، 6/ 447

([19]) وليسرى على كتاب الله: أي يذهب بالليل، قال أبو إسحاق في قوله تعالى: {والليل إذا يسر} قال: سَرَى يَسْري إذا مضى. راجع (لسان العرب) مادة (سري)، 3/ 282-283

([20]) رواه ابن ماجه في سننه: الفتن/ باب ذهاب القرآن، ح (4049)، والحاكم في المستدرك: الفتن، ح (8460)، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

([21]) رواه ابن ماجه في سننه: الفتن / 8، ح (3950)، 2 / 1303، في الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق، قلت: وجاءت أحاديث صحيحة تؤكد هذا المعنى مثل حديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك).

([22]) رواه الحاكم في المستدرك: الفتن، ح (8545)، 4/ 552، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([23]) رواه الطبري، (تفسير الطبري): رقم (24400)، 8/ 479

([24]) رواه مسلم في صحيحه: الإمارة / 53، ح (1920).

([25]) رواه الحاكم في المستدرك: الفتن، 4/ 522. وسكت عنه الذهبي في التلخيص.

([26]) (الجامع لأحكام القرآن) القرطبي: 5/ 420

([27]) رواه مسلم في صحيحه: الفتن/ 5، ح (2889).

([28]) (صحيح مسلم بشرح النووي): 18/ 14

([29]) رواه أبو داود في سننه: الملاحم / 5، ح (4297)، وفي سنده مجهول وروي عند أحمد من طريق آخر وسنده قوي: 5/ 271.. (جامع الأصول): 10/ 28

([30]) – (خصائص التصور الإسلامي) سيد قطب: ص 15.