الأقليات حصان طروادة جديد لشرق أوسط جديد
ديسمبر 2, 2019
الموضوعات والإسرائيليات في كتب المحدثين
ديسمبر 2, 2019

الجوانب الحضارية عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

 

د. وصفي عاشور أبو زيد – أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن أبرز ما يميز الشيخ المجدد المصلح محمد الغزالي رحمه الله أنه صاحب مشروع متكامل، استطاع أن يقدم الإسلام بجوانبه المتنوعة عقيدةً وشريعةً، أخلاقًا ومعاملة، قرآنًا وسنة، سلوكًا وحضارة، عقلًا ونقلًا، سياسةً واقتصادًا، روحًا وجسدًا؛ بلاغًا للدعوة وإقامةً للحجة ودفعًا للشبهة مع إحساس واسع وشعور عميق بواقع الأمة، وتداعٍ مستمر لقضاياها ومشكلاتها ونوازلها ومستجداتها.

واستهدف الشيخ من هذا كله أن يكون الإسلام حاضرا في حياة الناس، وأن تبسُط الشريعة سلطانها على الحياة والأحياء، وأن يكون للإسلام في كل نازلة قول، وفي كل حادثة بيان، وفي كل مستجد رأي، مع فهم عميق لكتاب الله وسنة رسول الله، وهو ما يحقق الحضور للعقيدة والأخلاق والشريعة والمعاملة والسلوك في حياة البشرية، وهذا ما يمكن أن يحقق معنى الحضارة بشكل عملي؛ فالحضارة من الحضور والوجود.

ومن هنا أردت في هذه الورقة المختصرة أن أرصد أهم الجوانب الحضارية في فكر الشيخ وفي مشروعه، أتحدث عن كل جانب منها موردا من كلام الشيخ ما يجلي رأيه فيه ورؤيته حوله، وبيان آثار كل جانب منها، وكانت الجوانب التي كتبت عنها هنا كالآتي:

أولًا: الجانب الروحي، ثانيًا: جانب محاربة الاستبداد وترسيخ الشورى، ثالثًا: جانب الحياة وعمارتها، رابعًا: جانب العلوم الإنسانية، خامسًا: جانب فقه الأولويات والنسب بين الأعمال، سادسًا: جانب المرأة، سابعًا: جانب الأدب شعرا ونثرا، ثامنًا: جانب الإصلاح والتغيير، وهو أطولها، وفيه تفصيل وأفكار متعددة لأهميته في واقعنا المعاصر.

ولا أدعي حصر الجوانب الحضارية عند الشيخ رحمه الله، فقد اقتصرت على عدد منها فقط كما أدَّاني إليه النظر والتأمل، وإلا ففكر الشيخ ومشروعه يحتاج إلى تخصيص سفر كبير، يستجلي الجوانب الحضارية ويتتبعها في مشروعه المتميز، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الحضارة عند الشيخ الغزالي:

بحثت عن كلمة (حضارة) عند الشيخ في ستين كتابًا من كتبه([1])، فوجدتها تكررت (666) مرة، في حين وردت كلمة الحضارة الإسلامية (75) مرة، وهذا يدلك على اهتمام الشيخ بالحاضرة الإنسانية عامة، والحضارة الإسلامية خاصة، واهتمامه بالحضارة الإنسانية أوسع وأشمل، وهو دال على البعد العالمي والمنطلق الإنساني للشيخ رحمه الله.

وقد تحدث الشيخ عن الحضارة الإسلامية، والحضارة في العصور الوسطى، وبيان فضل الحضارة الإسلامية عليها، وعَرَضَ في حديثه الحضارةَ الحديثة، وقال عن الحضارة الإسلامية وطبيعتها وما قدمته للبشرية: (انطلقت الحضارة الإسلامية صُعُدًا تشق طريقها في أَطواء التاريخ، وتصنع للإنسانية جمعاء ما لم تصنعه حضارة أخرى…، لم يكن البشر في ظلها يعانون فراغًا ما في صِلاتهم بأنفسهم أو صِلات بعضهم بالبعض الآخر، أو صِلاتهم جميعًا بالدولة الموجِّهة وإن اضطرب حبل الحكم…، ونهضت الثقافة الإسلامية بعبئها في كل ميدان)([2]).

أما حضارة العصور الوسطى حضارة الكنيسة، فقد تحدث عنها الشيخ مبيِّنًا فضل الحضارة الإسلامية عليها قائلًا: (أما العصور الوسطى التي يتحدث الصحافي الفرنسي عنها فهي تشرف آباءنا ولا تشرف آباءه، لقد كانت أوروبا في هذه العصور مجموعة من البهائم السائمة، ولولا ما أفاض الإسلام عليهم من خير وبركة لظلوا إلى اليوم كالأنعام أو أضل سبيلا، إن الحضارة الإسلامية علمتكم من جهل، وأنقذتكم من فوضى، فماذا حدث لَمَّا مالت الريح إليكم وأصبحت الدولة لكم؟ أبيتم إلا أن تبنوا على أنقاضنا، وصبغتم أرجاء الدنيا بدمائنا، وهكذا يصدق فينا وفيكم قول القائل:

ملكنا فكان العفو منا سجية    فلما ملكتم سال بالدم أبطح

فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا     وكل إناء بالذي فيه ينضح

إن الاستعمار المغتر الآن بقوته المعتز بسطوته ستخبو بعد قليلٍ ناره، ويومئذ تحاسِب الإنسانية من دمروا عليها حاضرَها ومستقبلها)([3]).

لكن الشيخ يعود ويؤكد أن المسلمين عامة والعرب خاصة لا قيمة لهم ولا ذكر بدون الإسلام، وإذا تنكروا له فسوف تتنكر لهم الأرض وتحتلهم الحضارات الأخرى، ولولا الإسلام لما قدموا للعالم والإنسانيةِ هذه الحضارةَ، قال: (لو لم يظهر محمد صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، ويتدفق خيره في المشارق والمغارب خلال القرون المقبلة، ما كان للعرب من ذكر، وبم يذكرون إذا لم يكن لديهم كتاب ولا سنة؟ ربما عاشوا في أرضهم كشعب بورما في آسيا، أو كشعب ناميبيا في إفريقية، وأشرف ما يذكره العرب تزكيةً لأنفسهم أن الإسلام ضاعف فضائلهم، وكبت أهواءهم وغرائزهم، وبذلك أمكنهم من صعودٍ هم له أهل، فلسنا حريصين على الزراية بأحد)([4]).

أما الحضارة الحديثة التي لا تقيم للروحانية اعتبارًا، ولا تنطلق إلا في ضوء الماديات، فلا يمكن وصفها بأنها حضارة، قال: (وفي الحضارة الحديثة نلحظ أن الاستمتاع بالنساء أخذ طرقا معوجة كثيرة، ويستحيل وصف هذه الحضارة بأنها عفيفة أو مقتصدة في ملذاتها، إنها لا تزال تكرع من الآثام حتى تهلك من التخمة، وكذلك تصنع في سائر علاقاتها بالدنيا)([5]).

هكذا كان اهتمام الشيخ الغزالي بالحضارة الإنسانية والإسلامية في عصورها الوسطى وفي عصرها الحديث، مبينا مقوماتها وخصائصها وما يجب أن تكون عليه، وإلا فسوف تشقى البشرية إذا لم تتبع منهج الله وتحقق خصاص الحضارة ومقوماتها في حياتها.

هذا وفي السطور الآتية نحاول الحديث عن جوانب حضارية في فكر الشيخ:

أولًا: الجانب الروحي

مما يميز الشيخ الغزالي أنه عالم نوراني رباني أوَّاب، وقد استمد هذه الربانية من اهتمامه بالقرآن الكريم الذي كتب فيه كتبا مستقلة مثل المحاور الخمسة للقرآن الكريم، ونظرات في القرآن، ونحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، ومعركة المصحف في العالم الإسلامي، وكيف نتعامل مع القرآن الكريم، فضلا عن متناثرات في كتبه المتنوعة؛ واستمدَّها كذلك من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكتاباته عن السيرة المشرفة تدمع لها العين ويَجِبُ لها القلب وتخشع لها النفوس، وخير دليل على ذلك ما كتبه في فقه السيرة، وفن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء؛ ثم استمدها مما كتبه في التزكية والأخلاق مثل الجانب العاطفي من الإسلام، وجدد حياتك، وخلق المسلم، وغير ذلك.

ووجه عدّ الجانب الروحي ضمن جوانب الحضارة أنَّ أية حضارة لا يكون لها من هذا الجانب نصيب لا تسمى حضارة على الحقيقة كما نقلنا عن الشيخ آنفًا، وأنَّ الجانب الروحيَّ مقوِّم أساس من مقومات قيام أي حضارة إنسانية، يقول الشيخ الغزالي: (أعتقد أن انهيار الحضارة الإسلامية في الأعصار الأخيرة جاء من الاهتمام بأعمال الجوارح والغفلة عن أعمال القلوب)([6]).

أما الحضارة التي تتخذ المادية منهجًا لها فيقول عنها: (والمادية تهدف إلى تحطيم المعاني والمثاليَّات وإلى تجريد الأشياء من كل قيمة عدا قيمتها التي تقدر بالمال، بل وصل الأمر إلى تقدير الإنسان بالمال! أصبحنا نسمع عن إنسان يساوي مليونًا، وابتسامة تساوي مائة ألف…، الذي يسير على قدميه لم يعد يفكر في متعة السير في أحضان الطبيعة بقدر ما يفكر فيما يعود عليه من قدرة بدنية تعينه على العمل والإنتاج والكسب، أصبحنا نقدر حياتنا على أساس ما حققناه من كسب مادي دون أن ندخل في الحساب عملا من أعمال الخير، أو لفتة من لفتات القلب، أو لحظة من لحظات الحب والتضحية)([7]).

ومن تجليات نورانية الشيخ وربانيته وأنه رجل أوَّاب متواضع ما يذكره حين يحكي القصة الآتية: (قلت لرجل تعوّد شرب الخمر: ألا تتوب إلى الله؟ فنظر إلي بانكسار، ودمعت عيناه، وقال: ادع الله لي، تأملت في حال الرجل ورقَّ قلبي؛ إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله وحزنه على مخالفته ورغبته في الاصطلاح معه، إنه مؤمن يقينا ولكنه مبتلى، وهو ينشد العافية ويستعين بي على تقريبها، قلت لنفسي: قد تكون حالي مثل حال هذا الرجل أو أسوأ، صحيح أنني لم أذق الخمر قط؛ فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها، لكنّي ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلني أذهل عن ربي كثيرًا وأنسى حقوقه، إنه يبكي لتقصيره وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا، قد نكون بأنفسنا مخدوعين. وأقبلت على الرجل الذي يطلب مني الدعاء ليترك الخمر، قلت له: تعال ندع لأنفسنا معًا {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23])([8]).

هذه هي نورانية الشيخ الغزالي حين تتكشف، وربانيته حين يتحدث، وتواضعه حين يتعامل، فهذا جانب مشرق من الجوانب الحضارية عند الشيخ؛ إذ يسهم في جعل الإنسان حاضرًا مستجمعا نفسه وقواه المختلفة ليقوم بدوره في الاستخلاف والعمارة، وهكذا كان الشيخ الغزالي.

ثانيًا: جانب محاربة الاستبداد وترسيخ الشورى

يستحق هذا الجانب أن نثنِّي به بعد الجانب النوراني عند الشيخ رحمه الله؛ ذلك أنه كرس حياته –نصفها الأول– لمحاربة هذا الاستبداد من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الاستبداد هادمٌ للحضارات مقوِّضٌ للعمران طاردٌ للكفاءات معطلٌ للطاقات مُهدِرٌ للموارد؛ لهذا استحقت محاربته أن تكون ضمن إرادة بناء حضارة وقيام أمة، ويؤكد الشيخ أن (الاستبداد السياسي ليس عصيانًا جزئيًّا لتعاليم الإسلام، وليس إماتة لشرائع فرعية فيه، بل هو إفلات من ربقته ودمار على عقيدته)([9])؛ ذلك أنَّ (الحكّام المستبدين كالحشرات القذرة، لا تعيش أبدا في جو نظيف، ولا تنصب شباكها للصيد والنهب إلا حيث الغفلة السائدة والجهالة القاتمة)([10]) (ونحب أن نقول بجلاء: إنه حيث يسود الحكم المطلق تنتقض الإنسانيةُ من أطرافها بل من صميمها)([11]).

وفي مواجهة الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية خاض رحمه الله أوّل معاركه الفكرية، فأصدر عدّة مؤلّفات كانت لبنة في مشروعه الحضاري، هي: الإسلام والأوضاع الاقتصادية، والإسلام والمناهج الاشتراكية، والإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين، والإسلام في مواجهة الزحف الأحمر، إذ قدّم فيها فكرًا ثوريًّا بامتياز، كيف لا وهو الذي قال: (حيث يكون العسف والخسف لا بد أن يكون الإسلام دينا ثائرًا يطلب النصفة والرحمة، وحيث يكون الاستعلاء والاستعباد لا بد أن يكون المسلمون ثوارًا ينشدون العزة والكرامة)([12]).

ويُعدُّ كتابه الإسلام والاستبداد السياسي علامة فارقة في هذا المسار، فقد كان اسمه سببا لأن يكون الشيخ بغيضًا إلى الجهة الحاكمة، وحكى الشيخ الغزالي عن هذا الكتاب بقوله: (أشهر كتبي عندما هاجمت فيه الطغيان وفساد الحكم، وأسميته الإسلام والاستبداد السياسي، وكان ذلك في أواخر الأربعينيات، وكان هذا اليوم من أهم أيام حياتي، وأعتبره نقطة انطلاق لي…، بمجرد أن نزل الكتاب إلى الأسواق فوجئت بالحكومة كلها تهتز وتصدر قرارا بمصادرة الكتاب، وأحسست أن القصر الملكيَّ اهتز بشدة من هذا الكتاب، وقُبض عليَّ وقدمت للمحاكمة بتهمة مهاجمة الحكومة، وخرجت من هذه القضية بدون أن يثبت علي شيء)([13]).

بل إننا إذا أردنا أن نتأمل في المكتبة الإسلامية والكتابات عن الاستبداد فيها لا تخطئنا محطتان فارقتان وكتابان رئيسان ومصدران أساسان، هما: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي، وكتاب الإسلام والاستبداد السياسي لمحمد الغزالي، حتى إن الشيخ في أخذهِ بالقرآن كان مهمومًا بالبحث في هذا الموضوع، متأملا القرآن متدبرا له في هذا الإطار ضمن أُطُرٍ كان يهتم بها في أخذِه بالقرآن الكريم، فقد تمتع الشيخ بنظرته الأصيلة وقراءته الكلية للقرآن الكريم، قال: (تلوت سورة القصص وربطت آخرها بأولها، فرأيت أن الله سبحانه شرح أحوال الاستبداد السياسي والطغيان الاقتصادي في قصتي فرعون وقارون، ثم ساق هذا القانون الحضاري الصارم {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، إنه بعد عشر صفحات من السرد التاريخي الحافل قرَّر هذه الخلاصة أن الاستعلاء والفساد يستحيل أن يأتيا بخير، كل فرد مزهو بنفسه فوضويٌّ في سلوكه سائبٌ في إدارته ظالم لغيره ناسٍ لربه لا بد أن يجني الويل من هذه الخلال)([14]).

إنَّ قواعد الإيمان ومعاقد الشريعة ومكارم الأخلاق لا يمكن أن يقدم عليها مسلم في ظل استبداد وظلم وخسف، يفضي بالناس إلى التجويع والمرض والجهل والخراب العمراني والاقتصادي، يقول الشيخ: (لقد رأيتُ بعد تجارب عدّة أنّني لا أستطيع أن أجد بين الطبقات البائسة الجوَّ الملائم لغرس العقائد العظيمة والأعمال الصّالحة والأخلاق الفاضلة، إنّه من العسير جدًّا أن تملأ قلب إنسان بالهدى إذا كانت معدته خالية، أو أن تكسوه بلباس التّقوى إذا كان بدنه عاريًا، ولا بدّ من التمهيد الاقتصادي الواسع والإصلاح العمراني الشّامل إذا كنَّا مخلصين حقًّا في محاربة المعاصي والرّذائل باسم الدّين أو راغبين حقًّا في هداية النَّاس لربِّ العالمين)([15]).

وكي تعتدل الكِفَّة ويستقيم الميزان فإن الشيخ لم يكتفِ بمحاربة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي المفضيين للتخلف الحضاري، بل تحدث عن الحرية والشورى وحق الأمة في اختيار من يحكمها ويسوسها، وأنها هي مصدر السلطة، يقول: (الأمة مصدر السلطة، هي وحدها التي تختار حكامها، وهي التي إذا شاءت عزلتهم، وليس لأحد حق إلهيّ ولا وصاية عُليا على الناس تجعل وجوده السياسي ضربة لازب، أو تجعل انقياد الجماهير له فريضة محكمة، إذا كانت لشيء ما مكانة دينية فهو الرأي العام الإسلامي، الذي إذا أحب كانت محبته آية على رضوان الله، وإذا كره كانت كراهيته آية على سخطه)([16])، بل إنَّ الشيخ جعل للأمة الحق في ألا تسمع ولا تطيع حين يتناقض نصب الحاكم ووظائفه، وهذا من صميم الحرية الجماعية وتفعيل لأعلى مستوياتها، يقول: (والأمة في حِلٍّ من السمع والطاعة بداهةً إذا حُكِمت على أساس من جحد الفرائض وإقرار المحرمات ونهب الحقوق وإجابة الشهوات؛ لأن معنى ذلك أن الحكم قد مرق من الإسلام وفسق عن أمر الله، وأن الحاكمين أنفسهم قد انسلخوا عن الدين؛ فليس لهم على أحدٍ عهدٌ)([17]).

ثالثًا: جانب الحياة وعمارتها

آمن الشيخ محمد الغزالي أنَّ الوصول إلى الآخرة لا بد أن يكون على جسر من عمارة الدنيا، وأن الله تعالى خلق المسلمين كي يكونوا قادة الدنيا ورواد الحياة وعُمَّار الأرض؛ لذا صبَّ جانبًا كبيرًا من منجزه الفكري والدعوي على هذا المعنى، معنى تحريض المسلمين على عمارة الأرض وقيادة الحياة حتى يحققوا الاستقلال الاقتصادي والاكتفاء الذاتي، ومن ثَمَّ يكون عندهم استقلال في القرار السياسي، لهذا كان يقول: (إن بناء المصانع يعدل بناء المساجد؛ فحراسة الحق كتعليمه، وإقامة سياج حوله -أيَّا كان هذا السياج- لا يقل عن الاعتناء بنصوصه) وفي سبيل ذلك لا مانع من الاقتباس من الآخرين بما يتوافق وأصولنا وأخلاقنا، قال: (النقل والاقتباس في شؤون الدنيا وفي المصالح المرسلة وفي الوسائل الحسنة ليس مباحا فقط بل قد يرتفع إلى مستوى الواجب)([18]).

وحين يسود غير المسلمين الأرض ويقودون الحياة ويصبح المسلمون في ذيل الأمم تكون من ذا فتنةٌ لهم ولنا؛ إذ يصبحون أولى بالأرض منا، ودينُهم أحقَّ من ديننا، ومبادئُهم أولى بالبقاء من مبادئنا، يقول الشيخ: (إن الأوربيين أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما أثرناها نحن وعمرناها، وقدروا على استخراج معادنها الجامدة والسائلة على حين عجزنا نحن كل العجز، أفلا يزيِّن لهم هذا السبق أنهم أولى بالأرض منا، وأن مبادئهم أحقُّ بالبقاء من مبادئنا، وأن أرباح هذا السبق حلٌّ لهم وحرام علينا؟ فإذا حدث بعد زمان طويل أو قصير أن تلاشى ذلك التفوق العلميّ بقي أمر آخر ذو بال: أين تفوُّقنا الإداري في ميدان الحكم والمال؟)([19]).

ومن فضل الله على المسلمين والعرب أن عندهم مقومات هذه القيادة، لكنهم يحتاجون إلى إيمان عميق وثقة فيما يحملونه من هدى ونور، يقول الشيخ: (يظن كثيرون منا أن الشرق الإسلامي أصابه في العصر الأخير ما أصابه من ضعف وتقهقر لأنه فقير إلى بأس الحديد وفيالق الجنود، ولأن أعداءه أكثر مالًا وأعزُّ نفرًا، وذلك خطأ؛ فإن المسلمين هانوا حقًّا ولكن لأنهم فقراء إلى العقائد والأخلاق والأعمال، وأعداءَهم عزُّوا حقًّا لأنهم –ولا نفتَئِتُ عليهم- لا يقلون غنى في قواهم المعنوية عن غناهم الواسع في آفاق الحياة المادية، إن ثقة هؤلاء الناس بما عرفوا من أوهام أربَى من إيماننا نحن بما ورثنا من إسلام، وتضحياتهم في سبيل ما اعتنقوا من مبادئ أعظم من تضحياتنا في سبيل ما عرفنا من دين)([20]).

ولأجل صناعة هذه القيادة لا بد من تجاوز الخطب الرنانة التي تقال في ميدان القول لتتحوَّلَ الخطبة نفسها إلى عملٍ حقيقيٍّ للنهضة والتمكين، يقول في كلام معبِّر: (إن ساسة الشرق الإسلامي من أبرع الناس في صوغ الخطب الرنانة، ولكن الخطبة البليغة من الطبيب هي إقامة مستشفى كبير، والخطبة البليغة من المهندس هي مد طريق أو تشييد جسر، والخطبة البليغة من الضابط هي إجادة صناعة الموت، والخطبة البليغة من الوزير هي إتقان فن الحكم، والجماعة التي تزعم العمل للإسلام ثم لا تحول أعضاءها على عجل إلى رجال مبرزين في شؤون الحياة وقادة مرموقين في ركب الحضارة هي لا ريب جماعةٌ فاشلة)([21]).

وفي باب الحديث عن توجيه الإسلام أتباعَه نحو عمارة الدنيا كما الآخرة تكلم الشيخ الغزالي رحمه الله عن العلم التجريبي بصفته أساسًا من أسس النهضة الحضارية؛ إذ به تتقدم الأمم في هذه الحياة وتغلب الأمم الأخرى، ولن تعمر الدنيا ولن تقاد الحياة بالعلم الديني فقط وإن كان هو رائد الجانب التجريبي والموجِّه له، لكن لا بد من القيادة والريادة في العلم التجريبي الذي سبق فيه الغرب سبقًا بعيدًا، وصرنا نحن في ذيل القافلة بعد أن عمرنا هذه الحياة وقدناها أكثر مما عمروها وقادوها، يقول الشيخ: (إن الحضارة الإسلامية قدمت الشيء الكثير في عالم الطبِّ، وقد ظلت أوروبا قرنين من الزمان تعتمد على كتاب القانون الذي ألَّفه ابن سينا، كما أن ابن النفيس كان أول من كشف أثر العدسات في خدمة النظر القصير، أهكذا يجحد فضلنا شيوعي عربي، وينتقل من محاربة المتطرفين -كما يزعم- إلى محاربة الإسلام نفسه! إنّ عالما منصفا مثل تيري فاير تحدث في جلسة الافتتاح لجماعة الصداقة الألمانية العربية، فقال: (إن جميع العلوم التي تدرس الآن في الغرب لا بد أن تكون من صنع العرب، إن العرب استفادوا من الحضارات التي سبقتهم، وأسْدَوا جديدًا لمن جاء بعدهم) ([22]).

إن النص الديني في الإسلام يحرض على ذلك ويدعو إليه، ولا يوجد نص إلهي آخر سوى القرآن الكريم يدعو إلى دراسة الكون والنظر فيه ودراسة العلم التجريبي الدنيوي لإقامة الدنيا، فلا يليق بالمؤمنين أن يكونوا عن ذلك معرضين، وغيرهم له فاعلون، إنها إذًا مفارقة عجيبة! فقد أمر الله عباده المؤمنين بالتفكر في مخلوقاته، يقول الشيخ: (أي تناقض مذهل إذا مشى الكافرون بين مخلوقات الله وهم يسبرون أغوارها ويعرفون أسرارها ويجيدون استخدامها، ومشى المؤمنون بين هذه المخلوقات لا يكادون يفقهون حديثًا أو يحسنون صنعًا؟)([23]).

رابعًا: جانب العلوم الإنسانية

كانت عندنا –نحن المسلمين- ريادةٌ وقيادة في العلوم الإنسانية، ولكن ما لبث الزمان حتى أصبحت شمس هذه العلوم تشرق من الغرب، وأصبح العرب والمسلمون عالة على الغربيين في هذه العلوم، وأقصى ما يجتهده عربي أو مسلم أَنْ يترجم ما كتبه الغرب أو ينقل من هنا وهناك مما كتبوه ويؤلف كتابا ملفقًا.

ولا شك أن العلوم الإنسانية يدار بها العالم في عصرنا، وما نراه اليوم من أساليب حديثة في إدارة الصراع العالمي إعلاميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا أو سياسيًّا ما هو إلا أثر من آثار العلوم الإنسانية الحديثة والتخطيط في ضوئها، ولقد اهتمَّ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بهذا الجانب، وجعله علامةَ النهضةِ وآيةَ بناء الحضارة، فتكرر هذا التركيب الوصفي (العلوم الإنسانية) في كتبه 44 مرة، فضلا عن ذكره لكل عِلْم على حِدة مثل علم التربية وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق وعلم النفس وعلوم السياسة وغير ذلك.

ويرى الشيخ الغزالي أنَّ (العلوم الإنسانية تحتاج إلى شيء من التأمل، وهذه العلوم هي علم الأخلاق والتربية والاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة وغير ذلك، وتسميتها علوما ضرب من التجوز؛ فهي فروع فلسفية تعتمد على الفكر أكثر من اعتمادها على التجربة، وموضوعها الإنسان وملكاته ورسالاته في هذه الحياة، وهذا الموضوع أشبَعه الإسلام دراسة وأغناه بجملة وافرة من الأحكام والمبادئ والتطبيقات، ولكن العلوم الإنسانية تدْرس في أوروبا ثم تترجم هذه الدراسة إلينا فإذا الوالد الذي يُذكر لها كلِّها هو اليونان، إن جرثومتها الأولى لم تعرف لها من أرض الله وطنًا إلا اليونان، ثم تقفز هذه الدراسة مسافة ألف سنة لتظهر في أوروبا وتبدأ عملها هناك، عجبًا! أين كانت خلال هذه القرون؟ كانت في بغداد ودمشق والقاهرة ومراكش، إن الجواب معروف ولكن لا يجوز النطق به لأن العرب والمسلمين لا يجوز أن ينسب لهم فضل ولا أن يعرفوا بين الناس بخير! ليس لعلماء المسلمين أي جهد في ميدان العلوم الإنسانية، هكذا يكذب الاستعمار الثقافي، ويريد إفهام الناس أن علماء المسلمين لم يسهموا بشيء في مجال العلوم أو الفلسفة)([24]) بل إن الشيخ يرى أن هذه العلوم تأتي في المرتبة الثانية في ثقافة الداعية بعد العلوم الدينية، يقول: (ويأتي بعد العلوم الدينية التي يجب أن ينهل منها الداعية العلوم الإنسانية: علم النفس، علم الاجتماع، علم السياسة، علم التاريخ، علم الاقتصاد)([25]).

ورغم أن لنا تراثا وجهدا مشكورا في هذه العلوم قديمًا إلا أننا اليوم لا جهد لنا ولا إسهام يذكر، وقد رأيت كتابا منذ أسابيع وقمت بطباعة نسخة منه لي، عنوانه (أهم خمسين كتابا في علم النفس) لمؤلفَيه: توم باتلر وباودون، تقوم فكرته على انتقاء أهم خمسين كتابا في علم النفس من وجهة نظرهما وتقديم تقرير عن كل كتاب منها، والشاهد أنني لم أجد كتابًا واحدًا منها عربيًّا ولا مؤلفًا عربيًّا أو مسلمًا، بل كلُّهم غربيون وغير مسلمين، فيا للأسف الشديد! وهذا يدلنا على مدى التخلف الذي لحقنا في ميدان العلوم الإنسانية، بل يرى الشيخ الغزالي أن من أسباب تأخر المسلمين والعرب تخلفهم في هذا الجانب، فأورد حديثًا ليس قصيرًا عن علم الاجتماع في كتابه سر تأخر العرب والمسلمين([26])، ويرى أن دراسة هذه العلوم واجبة، وأن عندنا تراثًا هائلًا منها يمكن غربلته وإنتاجه وإخراجه للإنسانية، يقول: (ونلاحظ أن هناك وحشة بإزاء عدد من العلوم الإنسانية مثل علم النفس والتربية والأخلاق والاجتماع… إلخ، والواجب أن تدْرس هذه العلوم، وأن توضع في إطار إسلامي صلب، وعندي أننا لو غربلنا التراث الصوفي وقدَّرْنا جهود ابن القيم وابن الجوزي والغزالي وابن عطاء الله السكندري وغيرهم لأمكننا أن نخرج بحصيلة رفيعة القدر في مجال الخُلُق والتربيةِ والسلوكِ، ولأمكننا أن نصوغ نصف العلوم الإنسانية في قالبٍ إسلاميٍّ جميلٍ ونافعٍ)([27]).

خامسًا: جانب فقه الأولويات والنسب بين الأعمال

لن نملك القدرة الفاعلة على التأثير والتغيير وقيادة الحياة واستثمار طاقات الأشياء والأشخاص والأحداث إلا إذا كان عندنا فقه أكبر يتعلق بالأولويات وإدراك النسب بين الأعمال، وهذا هو القادر على التقدم والترقي وقدْرِ الأمور حقَّ قدرها.

وأنا أشهد أن الشيخ محمد الغزالي أحد القلائل في تاريخنا الذين شغلهم فقه مراتب الأعمال، والنظر للأصول على أنها أصول وللفروع على أنها فروع، وتقديم ما يستحق التقديم وتأخير ما يستحق التأخير، وإقامة الوزن بالقسط في نظراته للأمور بلا طغيان ولا إخسار، لهذا كان يحذر من أصحاب الفهم المقلوب الذين يرون الفروع أصولًا والأصول فروعًا ويعادون الأولياء ويسلم منهم الأعداء، يقول: (احذروا من يثير الفرقة ولا يبالي الجماعة، احذروا من يصعد بالفروع إلى الأصول أو يهبط بالأصول إلى الفروع، احذروا من يبسط لسانه فينا ولا يقول كلمة أبدًا في أعدائنا، لقد رأيت من لم يكتب حرفًا ضد الصهيونية أو الصليبية أو الشيوعية أو العلمانية، ومع ذلك ألف كتبًا ضد مسلمين ربما كانوا مخطئين أو مصيبين، ما أخرسك هنا وأنطقك هناك! إن لم تكن العمالةَ لعدوِّ الله فنحن أغنياء عن الحمقى الذين تهيجهم الصغائر ولا تهيجهم الكبائر)([28]).

ويستفزه أولئك الذين يهتمون بصغائر الأمور ولا يبالون بكبيرها، يقول: (والصغار دائمًا يهتمون بالصغائر، فإذا رأيت من يهتم اهتمامًا هائلًا بقبض اليدين في الصلاة أهو فوق السرة أم أعلى الصدر، ويستثير ذلك أعصابه أكثر مما يستثيره قتل عشرة آلاف مسلم في تشاد، فاعلم أنك أمام مسخ من الخلق لا يؤمَن على دين الله ولا دنيا الناس، وهذا النفر من المتدينين عبء على الأرض والسماء، والأمة التي تُسلم زمامها إلى هذا الإنسان المخبول إنما تسلمه لجزار، ودين الله أشرف من أن يتحدث فيه هؤلاء الحمقى)([29]).

هذه النظرة المعتدلة المقسطة بإدراك فقه مراتب الأعمال هي التي تجعل المسلم متمتعا بأكبر قدر من الحضور، مسهما بأوفر نصيب في بناء حضارة راشدة، تقدر الأمور حق قدرها، وتواكب الركب المعاصر ولا تتأخر عنه بل تتقدم عليه وتقوده، وتقدم من نفسها أنموذجًا مبهرا كما قدمته أمتنا في عصور سالفة.

سادسًا: جانب المرأة

لن نستطيع أن نكون على قدر كاملٍ من التحضر والحضور الذي يبني الحضارة إلا إذا تم تفعيلُ الشقِّ الآخرِ من الإنسان وهو المرأة، فالمرأة لها رسالتها التي تؤديها ولا يحسنها الرجال، سواء في عملها الخاص أو في ميادين العمل العام المناسبة لها.

والشيخ الغزالي من رواد المناداة بذلك، بل لعله من أوائل الذين كشفوا اللثام عن التصور الحقيقي للمرأة في الإسلام بعيدًا عن الطغيان والإخسار، بمعزل عن تياري التحجر والتحرر، مبرزًا الرؤية الإسلامية الصحيحة للمرأة المتسقة مع الكتاب والسنة وما كان عليه عصر الرسالة، يقول الشيخ: (وقد جاء الإسلام فاحترم الأنوثة، واستبعد كل النظرات السيئة إليها إلا أن التقاليد العربية الجاهلية التي كانت تجتاح الأنوثة قديماً عزَّ عليها أن يطفر الإسلام بالمرأة هذه الطفرة، فعادت تسلب ما منح الدين وتنكر ما أقر، وتعامل المرأة على أساس أنها متعة وحسب؛ ومن ثم صدر تحريم من جهات غير معروفة بألا تصلي المرأة في مسجد، وصدر تحريم مثل الأول بألا تنتسب إلى مدرسة ولو لمحو الأمية، وصدرت فتاوى مكذوبة بأن وجه المرأة عورة، وقيل: إن المرأة إجمالاً لا علاقة لها بالنشاط الثقافيِّ والاجتماعي)([30]).

بيد أن المسلمين في واقعهم المعاصر لم يكونوا على ذاك المستوى، يقول الشيخ الغزالي: (إن المسلمين في الأعصار الأخيرة فتكت بهم أمِّيّةٌ طامسة وكانت بالنساء أفتك، وغابت عنهم هدايات الله في تفتيق الألباب وتنمية الفضائل وكانت عن النساء أبعد، إن الجاهلية القديمة سمحت لنسوة تقيات أن يشاركن في بيعة العقبة وما وضعت على أيديهم قيدًا، أما المسلمون في القرون الأخيرة فيستحيل أن تسمح تقاليدهم بذلك).

وإذا كانت أشرف وظائف المرأة هو مهمتها في بيتها وأبنائها فإن هذا لا يعارض مهمتها الاجتماعية والدعوية، ويجب أن يكون هناك توازن بين هذا وذاك، يقول: (لا ريب أن وظيفة المرأة في بناء الأسرة خطيرة لا يقبل التفريط فيها كما أنه لا ريب في أن المجتمع كله مطالب بصيانة الأعراض ومنع أي عبث بها، والأمة الراشدة تستطيع التوفيق بين هذه الأهداف جميعًا، فلا تضع المرأة في قفص الاتهام بغباوة ولا تطْلِقها لتكون مصيدةً للآثام، ولا تجور على غيرة الرجل ولا تهمل حقوق الله)([31]) ولن تقوم المرأة لهذه الوظيفة إلا بالتعليم، ولن يستوعب الرجال ذلك إلا بالتعليم كذلك، يقول الشيخ: (فنحن يجب أن نتعلم، والعلم يجب أن يشمل الأمة كلها)([32]).

وحسبنا عنوان كتابه الدالّ دلالة واضحة على هذا المعنى: قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، فهو من جهة يبين ملمح الوسطية عند الشيخ، ومن جهة أخرى وضع أيدينا على التصور الصحيح ورؤية الإسلام للمرأة، فهناك أعرافا راكدة في مجتمعاتنا نشأ الناس عليها وعاشوها وتقدم بهم العمر حتى ظنوا أنها جزء من الدين، وهناك أناس يسعون وراء الغرب وما يفِد إلينا منه، ويظن بعضهم أن مقتضى التطور والتحضر أن نتابع الغرب في كل عاداته وأعرافه، أما الإسلام فلا يعرض عن هذا بالكلية، ولا يقبل ذاك بالكلية، وإنما هناك ميزان حساس يوزن عليه الراكد والوافد، فما اتفق وهذا الميزان قبِلناه، وما خالفه رفضناه، وما كان خليطا ميَّزنا حقه من باطله، فقبِلنا حقه ورددنا باطله.

سابعًا: جانب الأدب شعرًا ونثرًا

لا نهضة بلا ثقافة، ولا ثقافة بدون علوم العربية وآدابها، وقد كان الشيخ الغزالي أحد البلغاء الشعراء الذين ترى كتاباتهم تنضح بلاغة وبيانًا، فضلًا عن كونه شاعرًا له ديوان شعري عنوانه الحياة الأولى، قال د. مصطفى الشكعة في دراسته عنه في مقدمة الكتاب: لقد عرف الناس عن الشيخ الغزالي تلك المواهب المعرفية الإسلامية التي أسلفنا ذكرها، وأما الذي لا تعرفه جمهرتهم بل مجموعهم هو أنه كان شاعرًا ذا موهبة خصبة وقريحة معطاءة وقلم مطواع وبيان سائغ)([33]).

يرى الشيخ ابتداء أن نجاح النهضات يبنَى على المشاعر والأفكار، وأن الثورات الاجتماعية لا بد أن تسبق بثورات أدبية تمهد لها، قال: (إن نجاح النهضات وبقاءها يرتبطان بمقدار ما تستند إليه من مشاعر وأفكار، بل إن الارتقاء الصحيح لا يكون إلا معتمدًا على خصب المشاعر ونضارة الأفكار؛ ولذلك لا بد في الثورات الاجتماعية الكبرى من ثورات أدبية تمهد لها، وتملأ النفوس والعقول إيمانًا بها، وقد تعتري الأمم هزات موقوتة أو انكسارات وانتصارات سريعة، وقد يصيب الحضارات مد وجزر لأسباب شخصية أو محلية، وذلك كله ينظر إليه المؤرخون نظرة عابرة، ولا ينتظرون من ورائه نتائج بعيدة المدى، أما النهضات التي تصحبها يقظات إنسانية واسعة، وتحف بها عواطف جياشة ونظرات عميقة، فهي أمر له خطره وله ما بعده)([34]).

كما يرى الشيخ أن العلوم الأدبية واللغوية من مقوِّمات الثقافة الأساسيَّة لدى الداعية، وبدونها لن يقدر على إبلاغ رسالته وتحقيق غايته، يقول: (إن غزارة الثقافة وسعة الأفق وروعة الحصيلة العلمية خِلالٌ لا بد منها لأي داعية موفق، والداعية الذي يشعر بغربة في ميدان الأدب يجب أن يترك ميدان الدعوة لفوره؛ فإن الذي يحاول خدمة الرسالة الإسلامية دون أن يكون محيطًا بأدب العربية في شتى أعصارها إنما يحاول عبثًا، وأنَّى لرجل محروم من حاسة البلاغة أن يخدم دينا كتابه معجزة بيانية ورسوله إمام للحكمة وفصل الخطاب؟ الداعية لا بد أن يدرس آداب العربية القديمة والحديثة، وأن يدرب نفسه على الأداء العالي والعبارة الرائقة، وليس القصد أن يكون كلامه إنشاء منمقا، كلا فهذا مزلقة له ولرسالته، وإنما القصد أن يحسن صوغ العلم النافع والحقائق الركينة في أسلوب يبرز ما فيها من نفع وقوة، وقد قالوا: الخط الحسن يزيد الحق وضوحا، وكذلك القول الحسن والخطاب الجميل)([35]).

أما واقعنا المعاصر فهو يعبر عن ثقافة ضحلة لا تمكن الأمة من بناء نهضة وصناعة حضارة، يقول: (ورأيي أن الثقافة التي آلت إلينا في القرون الأخيرة كانت ضحلة آسنة لا في مجال المعرفة الدينية وحدها بل في مجال الأداء الأدبي كذلك، وهذه الثقافة كانت أعجز من أن تصنع أمة تنهض برسالتها وتخدم كتب ربها وسنّة نبيها)([36]).

ثامنًا: جانب الإصلاح والتغيير

كما هو معلوم لكل مطالع لسيرة الشيخ الغزالي ومسيرته الفكرية والحضارية أنه نذر نصف حياته الفكرية والدعوية الأول لبيان مفاسد الاستبداد والمستبدين، ولمقاومة الزحف الأحمر والمذاهب الفكرية الهدامة، بينما كان نصف حياته الأخير متمحورًا حول كشف عوار الفكر الأحول، وبيان زيف التدين المغشوش، والتحذير من الفهم المغلوط للإسلام.

وتمر أمتنا العربية والإسلامية بفترات عصيبة، تَصْلَى فيها نارَ الظلم والقهر ونهب مقدرات البلاد، حتى انتهت هذه المسيرة في الطغيان والمظالم إلى أن قامت هذه الشعوب بحركات تغيير تمثلت في ثورات على أنظمة طالما بغت وتجبرت، فها هو الشيخ الغزالي يحدثنا من قبره عن الثورات وعن أسبابها، وعن مفاهيم الخروج على الحكام ووظيفة الحاكم والحكومة، وعن شروط نجاح الثورات وعن ضوابط تحكمها وترشِّد سيرها، وغير ذلك مما هو مبثوث في كتبه ومنثور في تراثه.

أسباب الثورات ومطالب الثوار:

يرى الشيخ الغزالي أن أسباب الثورات هي شيوع الظلم ومصادرة الحريات وسلب ضرورات الجماهير، يقول: (العدل هو المساواة التي لا تعطي أحدًا حقًّا ليس له ولا تبخس إنسانًا شيئًا من مقومات حياته الكريمة، غير أن الدنيا كانت عند سوء الظن بها، فما لبثت حقوق الأمم المعقولة أن وضعت على موائد المترفين، فأكلوها أكلا لَمًّا، وسُلِب الألوف ضروراتهم ليُتخَم بها أفراد، وصودرت حرياتٌ شتى ليشبع طغيان الكبر عند الأوغاد، وقد تُقلب بعض صحائف التاريخ فتسمع بها ضجيج الثوار الذين حطموا الأصنام، وهتكوا حجاب الخرافات المقدسة، ولكن صحائف التاريخ الطويلة عليها صمت مريب، كأنما هو صمت القبور التي ماتت فيها الآمال، وذلت فيها الرجال من طول ما توارثت البشرية من عسف وطغيان وتشريد)([37])، ومن أسبابها أيضًا شيوع حكم الفرد، يقول: (ونحب أن نقول بجلاء: إنه حيث يسود الحكم المطلق تنتقض الإنسانية من أطرافها بل من صميمها)([38]).

وفي مقام آخر يبين أن سر نجاح الثورات مرتبط بظهور غصب حقوق الناس وفشوِّ أكل أموالهم بالباطل، يقول: (إن الأمة التي يفشو فيها أكل أجور العامل وغصب حقوقه الواضحة ليست الأمة التي تعيش في ضمان السماء، أو التي تتوقى نكبات الحياة، أو التي إذا أصابها حرَج تُوقِّع لها الفرج، بل على العكس لا تكاد تتردَّى في هاويةٍ حتى تجد من يتقدم ليهيلَ عليها التراب لا لينجدها {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59]، وذلك سر نجاح الثورات الكبرى في هذه الحياة، إنها تندلع في نظم قد دبَّ فيها البِلى، وطال منها الظلم، وابتعد عنها التوفيق، وأدبر عنها النجاح، فما تكاد نُذُر التمرد على الطغيان والاستبداد تظهر في الأفق حتى يفغر التاريخ فمَه ليبتلع دولة شاخت، ويسلكها في عداد الذكريات المرة، وليتأذن بميلاد دولة جديدة ونظام جديد تتعلق به آمال البشر كرة أخرى)([39]).

ويبين الشيخ الحالة النفسية والواقعية للثوار حين تحقُّق الثورة بصفتها ردَّ فعلٍ على طول وقوع الظلم عليهم والعسف بهم، يقول: (ما إن اندلعت الثورات في القرن الأخير حتى تطلعت الجماهير إلى مساواة خيالية كالظمآن الذي طال عليه العطش، فلما وقع على الماء أخذ يعب ويعب حتى خرج الري من أظافره)([40])، وهو ما نشهده رأي العين في واقعنا المعاصر.

وفي الوقت نفسه يستبعد الشيخ -رحمه الله- بل يرفض إلباس الثورات ثوب الاضطهاد الديني على أنه سببٌ لها، وهو ما يتصل بالواقع المصري وما شابهه بشكل أو بآخر، يقول: (وإلباس الثورة في مصر ثوب الاضطهاد الديني محاولةٌ فاشلة لجعل تاريخ الإسلام مشابهًا لتاريخ النصرانية في التعصب ضد الأقليات)([41]).

الحاكم والخروج عليه:

وفي سياق الثورات وبعد بيان أسبابها يحسن أن نورد تكييف الشيخ لوضعية الحاكم ووظائفه في الإسلام، وكذلك الحكومة وواجباتها نحو الأمة، يقول: (وظيفة حاكمٍ ما في أي بلد مسلم أن يحرس الإيمان ويقيم العدالة ويصون المصالح، فإذا فرط في أداء هذه الواجبات فقد قصر في أعمال وظيفته، ووجب تنبيهه وإرشاده، أما إذا هدم الإيمان بالإلحاد، وأضاع العدالة بالجور، وأهمل المصالح باللهو، فقد خرج عن طبيعة وظيفته ووجب إسقاطه)([42]).

ويبين متى ينحل العقد الذي بين الحاكم والمحكومين، فيقول: (والأمة في حِلٍّ من السمع والطاعة بداهةً إذا حُكِمت على أساس من جحد الفرائض وإقرار المحرمات ونهب الحقوق وإجابة الشهوات؛ لأن معنى ذلك أن الحكم قد مرق من الإسلام وفسق عن أمر الله، وأن الحاكمين أنفسهم قد انسلخوا عن الدين؛ فليس لهم على أحد عهد)([43]).

معنى الخروج على الحاكم وحقيقته:

ولا يخفى على أحد الفتاوى المغلوطة التي نتصبح بها ونتمسى في هذه الآونة من بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، الذين يعلنون أن هذه المظاهرات خروج على الحاكم وخرق لطاعة ولي الأمر وأنها بدعة، إلى غير ذلك من هذه التأويلات الفاسدة والتنزيلات الباطلة؛ ولهذا يحرر الشيخ معنى الخروج على الحاكم مراعيًا تطور دلالات المصطلحات، فيقول: (وكلمة الخروج على الحاكم كانت قديمًا تعني شهر السلاح في وجهه، ولا أظن أحدا ينتظر من الإسلام أن يبيح هذا الحق لمن يشاء متى يشاء، وكل ما ذكره الإسلام في إطفاء بذور الحرب الأهلية قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان))([44])، وهذا حديث لا غبار عليه، وأرقى الأمم الدستورية تعمل بوحيه في أيام حربها وسلامها، فإن حق الثورة المسلحة ليس كلأً مباحا يرعاه كلُّ غضبان، أما اعتبار المعارضة المشروعة خروجًا على الدين وحكومته يُقتل من أجلها المعارض استدلالاً من الحديث السابق فهو ما لا موضع له في أدمغة العلماء، إن السفلة من الحكام قتلوا كثيرًا من الناس جريًا على طبائع الاستبداد لا اتباعا لأحكام الله، فلا ينبغي الاعتذار للمجرمين بأنهم تأوّلوا آيات الكتاب وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فهم لا يعرفون لله حقًّا ولا لرسوله حرمة، وقبيح بنا هذا الانتحال)([45]).

ولو كانت الأمة متيقظة لأداء حاكمها أبدًا، وتأخذ على يديه دائمًا، لَمَا وصلنا إلى هذا الحد من سفك الدماء التي قام بها السفلة من الحكام -على حد تعبير الشيخ-؛ ولهذا فالفرق بيننا وبين الغرب هائل في هذا السياق، وقد ألمح الشيخ إلى ذلك حين قال مقارنًا بيننا وبينهم: (وإسقاط حكومةٍ ما في البلاد التي تسودها النظم الديمقراطية عمل معتاد، وفي الغرب شواهد متجددة على أن استبدال وزارة بأخرى أمر هين، وسحب الثقة من أية وزارة هناك يرجع إلى رغبة الشعب في تحقيق مطالب معينة أو رؤية لون جديد من النظم والأفكار، وقلما تسقط حكومة هناك لخروجها عن طبيعة وظيفتها، فإن يقظة الأمم هناك وأمانة الحكام لا تسمحان بتطور الأمور على هذا النحو القاتم، وليت الأمور في الشرق تجري على هذا النسق الرتيب فيستريح الحاكم والمحكوم من اضطراب الأجواء وعصف الأنواء)([46]).

ضوابط للثورات:

ولكي تؤتي الثورات ثمارها وتحقق غاياتها وتلبي تطلعات الشعوب التي قامت من أجلها؛ تحدث الشيخ عن سياسة عامة لا يصح أن تغيب عن عقول المصلحين أثناء الثورات، وأورد ضوابط أخلاقية يجب أن ينضبط بها الثوار حتى لا نسيء من حيث أردنا الإحسان، يقول الشيخ: (على أنَّ لقول الحق وغرسه في المجتمع سياسة لا ينبغي أن تغيب عن أذهان الدعاة والمصلحين، فليس الهدف المقصود أن يستقتل المرشدون من غير جدوى، وأن يضحوا بغير ثمرة؛ فذلك ما لا ينتفع به الحق ولا يضار به الباطل، وقد رأى الفقهاء أن إزالة المنكر إذا استتبعت مفسدة أعظم فمن الخير التربص بها وارتقاب الفرص السانحة لها، والسكوت حينئذ ليس سكوت مجبنة وتخوف، ولكنه ترسم سياسة أفضل في حرب المنكر كما قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الأنفال:25]، كما أن الحماسة للخير لا تعني السفاهة على الناس وسوء الأدب في عشرتهم والمتاجرة بأخطائهم بغية فضحهم والتشهير بهم، فذلك كله ليس خلق المسلم ولا منهجه في تدعيم الجماعة ورفع شأنها، فالحرية المطلوبة حدها الأعلى أن نتمكن من قول الحق، لا أن نتمكن من التطاول والبذاء)([47]).

شروط نجاح الثورات:

ونجاح الثورات والنهضات مرهون بشروط متى تحققت نجحت الثورة، ومتى غابت لم تُحقق الثورة نجاحًا يذكر؛ ولهذا يرى الشيخ أن من شروط نجاحها التمهيد لها بأدبيات تملأ النفوس وتشحذ العقول وتحمس الهمم بما يحقق يقظة إنسانية عالية شاملة، يقول الشيخ: (إن نجاح النهضات وبقاءها يرتبطان بمقدار ما تستند إليه من مشاعر وأفكار، بل إن الارتقاء الصحيح لا يكون إلا معتمدًا على خصب المشاعر ونضارة الأفكار؛ ولذلك لا بد في الثورات الاجتماعية الكبرى من ثورات أدبية تمهد لها، وتملأ النفوس والعقول إيمانًا بها، وقد تعتري الأمم هزات موقوتة أو انكسارات وانتصارات سريعة، وقد يصيب الحضارات مد وجزر لأسباب شخصية أو محلية، وذلك كله ينظر إليه المؤرخون نظرة عابرة، ولا ينتظرون من ورائه نتائج بعيدة المدى، أما النهضات التي تصحبها يقظات إنسانية واسعة، وتحف بها عواطف جياشة ونظرات عميقة، فهي أمر له خطره وله ما بعده)([48]).

ومن شروط نجاحها عند الشيخ وعند العقلاء تحقق الوحدة على اختلاف المشارب والأفكار، فمتى تخلى الجميع عن رؤاه الخاصة ومكاسبه المحدودة، وذاب بغيره في إطار تحقيق هدف واحد ومصلحة كبرى، تحقَّقَ النجاح بلا ريب؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]، أما حين تجتمع الأجساد وتتفرق العقول والأرواح فهنا يكون الفشل المؤكد، ويقوم المرتزقة بسرقة الثورات ووراثتها، يقول الشيخ: (سمعت قائلا يردد في ألم: نحن متفرقون على حقنا وهم مجتمعون على باطلهم! فقلت له: ما أحسب المتفرقين على حقهم أصحاب حق، فطبيعة الحق أن يجمع أهله، إن أعدادًا كبيرة من السائرين تحت لواء الحق تكمن في بواطنهم أباطيل كثيرة، فهم يحتشدون بأجسامهم فقط تحت رايته، ويبدو أن المآرب الكثيرة والأغراض المختلفة تجعل لكل منهم وجهة هو موليها، وذاك في نظري ما جعل ثورات عديدة تسرق من أصحابها، ويسير بها الشطَّار إلى غاية أخرى، حتى قيل: الثورات يرسمها المثاليُّون وينفذها الفدائيون ويرثها المرتزقة، ترى لو كان المثاليون والفدائيون على قلب رجل واحد في الإيثار والتجدد أكان يبقى للمرتزقة موضع قدم؟ إن أخطاء خفية نستخف بها عادة هي التي تنتهي بذلك المصير!)([49]).

نصيحة للحكام والمرشحين للحكم:

وفي النهاية نورد نصيحة يوجهها الشيخ المجاهد للحكام ومن يرون أنفسهم أهلًا لتولي الحكم، وهي نصيحة -أحسب أنها في وقتها الآن وفي كل آن- للحكام الذين يعاندون القدر أو لمن سيأتي للحكم في البلاد التي نجحت فيها الثورات، يقول الشيخ: (إلى الحكام والمرشحين للحكم: دعوا مواكب الإسلام تمر بألويتها إلى ما تريد، لا تحرصوا على كل شيء فتفقدوا كل شيء، اقبلوا حكم الدين في دنياكم قبل أن تسلبكم الثورات الحاقدة كل رحمة في الدين وكل متعة في الدنيا)([50]).

خاتمة

هكذا تحدث الشيخ الغزالي عن جوانب حضارية جمة ودورها في بناء النهضة وقيام الحضارة، ولم يفُتِ الشيخَ أن يبين واقعنا المعاصر فيها، فقد كان مهموما بواقع أمته وقضايا واقعه، وقد كانت هذه إشارات –مجرد إشارات– في هذه الجوانب، وليست استقراءً لكل ما كتبه فيها، كما أن هذه الجوانب ليست حصرًا جوانب البناء الحضاري الكاملة عند الشيخ، فلا شك أن هناك جوانب أخرى يمكن استخراجها من فكر الشيخ وبيان تصوره عنها، لكن هذا ما اقتضته الظروف وسمحت به الأحوال.

رحم الله الشيخ العلامة محمد الغزالي وجزاه عن أمة الإسلام خيرًا.

([1]) هذا وفقًا للكتب الموجودة في المكتبة الشاملة التي حوت كتب أعلام الحركة الإسلامية، وفيها هذا العدد من كتب الشيخ الغزالي.

([2]) الإسلام والطاقات المعطلة (134)، دار نهضة مصر.

([3]) الإسلام والاستبداد السياسي (214)، آخر الكتاب، دار نهضة مصر.

([4]) الحق المر (3/ 178).

([5]) صيحة تحذير من دعاة التنصير (33).

([6]) كنوز من السنة (60)، دار نهضة مصر.

([7])كفاح دين (127).

([8]) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (173)، دار نهضة مصر.

([9]) الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية (57)، دار نهضة مصر.

([10]) الإسلام والاستبداد السياسي (83)، دار نهضة مصر.

([11]) من مقالات الشيخ الغزالي (1/ 67).

([12]) حصاد الغرور (154)، دار نهضة مصر.

([13]) الإسلام والاستبداد السياسي (8)، دار نهضة مصر.

([14]) الطريق من هنا (16)، دار نهضة مصر.

([15]) الإسلام والأوضاع الاقتصادية (43)، دار نهضة مصر.

([16]) معركة المصحف في العالم الإسلامي (136)، دار نهضة مصر.

([17]) الإسلام والاستبداد السياسي (163).

([18]) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (156).

([19]) الغزو الثقافي يمتد في فراغنا (142) دار نهضة مصر.

([20]) ظلام من الغرب (182)، دار نهضة مصر.

([21])في موكب الدعوة (203)، دار نهضة مصر.

([22]) الحق المر (4/60).

([23])الطريق من هنا (22).

([24]) ظلام من الغرب (125).

([25]) مقالات الشيخ الغزالي (3/190).

([26]) سر تأخر العرب والسلمين (87) وما بعدها، طبعة نهضة مصر.

([27]) علل وأدوية (151).

([28]) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (18).

([29]) الفساد السياسي (37).

([30]) سر تأخر العرب والمسلمين (20).

([31]) الطريق من هنا (129).

([32]) مقالات الشيخ الغزالي (2/ 158، 3/ 206).

([33]) الحياة الأولى (ديوان شعر): (ص6)، طبعة نهضة مصر.

([34]) نظرات في القرآن (12).

([35]) مع الله دراسات في الدعوة والدعاة: الشيخ الغزالي (181)، دار نهضة مصر.

([36]) سر تأخر العرب والمسلمين (128).

([37])الإسلام المفترى عليه (46)، طبعة نهضة مصر.

([38]) من مقالات الشيخ محمد الغزالي (1/66).

([39]) الإسلام والمناهج الاشتراكية (190).

([40]) الإسلام المفترى عليه (46).

([41]) التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام (239).

([42]) الإسلام والاستبداد السياسي (160).

([43]) الإسلام والاستبداد السياسي (162).

([44]) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، رقم 1852، ترقيم عبد الباقي.

([45]) من هنا نعلم (51).

([46]) الإسلام والاستبداد السياسي (160).

([47]) المرجع السابق (164).

([48]) نظرات في القرآن (12).

([49]) الحق المر (1/57-58).

([50]) الإسلام والمناهج الاشتراكية (20).